بالمهماز: حكومتنا الموقرة:”جَرِّمي العباد في البلاد مِنْ أيْن لهم بهذا الفقر!؟”

0

ريحانة برس- محمد عبيد

انشغل المغاربة كثيرا وتهامسوا كثيرا وأشاروا كثيرا إلى الفاسدين “من بعيد لبعيد” وتناقشوا القوانين والروتين والموظفين والرشوة والإكراميات ومضاعفاتها، وتساءلوا دوما: ماذا ؟وإلى متى؟ هذا الذي ساير فينا؟ ألا يوجد حل لهذا العقم المتوغل في البلد؟

إلا أن حكومتنا الموقرة جادت لها “بُناة” افكارها بنظرية أخرى ذلك حين سحبت مع بداية الأسبوع الجاري الاثنين 8نونبر 2021 من البرلمان مشروع القانون الجنائي 10.16 الذي تضمن أربع مواد مست بالتغيير والتتميم والنسخ 84 مادة من مجموع فصول القانون الجنائي 612، هذا المشروع له أهميته من خلال ما تضمنه من تعديلات تروم ملائمة التشريع الجنائي مع مقتضيات دستور 2011 وتوجهاته في السياسة الجنائية، وكذا ملائمة هذا التشريع مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب والمرتبطة بمجالات حقوق الإنسان ومناهضة التعذيب والاختفاء القسري ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للدول ومنع الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين واتفاقيات أخرى تهم محاربة الفساد، إضافة إلى اعمال توصيات هيئة الانصاف والمصالحة وتفعيل خلاصات الميثاق الوطني حول إصلاح منظومة العدالة… وإن كانت كثير من مواد القانون الجنائي تلامس موضوع محاربة الفساد كالتوسع في تعريف الموظف العمومي وتجريم استفادة الغير بسوء نية من الجرائم المالية المتعلقة بالاختلاس والغدر والرشوة واستغلال النفوذ، فإن تجريم الاثراء غير المشروع يعتبر سنام التعديلات التي تروم محاربة الفساد.

وتم إدراج تجريم الإثراء غير المشروع في إطار إعمال اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد الموقغة بنيويورك سنة 2003، وإعمالا للمادة 4 من الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد التي وقعت عليها المملكة المغربية سنة 2010، وكذا تنزيلا لمقتضيات النص الدستوري التي تنص على ان القانون يعاقب على الشطط في استغلال مواقع النفوذ وينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة.

إلا أن هذا الإجراء بحسب هذا القانون يراه عدد من المهتمين والمتتبعون بأنه يستهدف صغار الموظفين الخاضعين للتصريح الإجباري بالممتلكات.. هذا النص الذي جرى إعداده في سياق خطة محاربة الفساد… وأن سحب مشروع تعديل مجموعة القانون الجنائي من البرلمان يطرح أسئلة البديل التشريعي بخصوص موضوع خضع لنقاش طويل ظل يفتقر للعمق.

مشروع قانون “من أين لك هذا” كما جاء في تصريح للوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان الناطق الرسمي باسم الحكومة، ‘مصطفى بايتاس’، والذي برر ذلك بصعوبة مناقشة هذا القانون بشكل مجزأ، ومشيرا إلى أن ما كان يعاب على الحكومة السابقة هو عدم وضع القانون الجنائي بشكل كامل على أنظار البرلمانيين لمناقشته في شموليته.

ومعلوم أنه قبل قرار سحبه من البرلمان، كان مشروع القانون رقم 10.16 المتعلق بتتميم وتغيير مجموعة القانون الجنائي، الذي أحالته حكومة عبد الإله بنكيران، في 24 يونيو 2016، يهدف إلى تجريم الإثراء غير المشروع، كأحد أهم المخرجات التي اقترحتها هيئة الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة في سياق النقاشات التي عرفها المغرب بعد دستور 2011، وبروز الحاجة إلى مشروع قانون جنائي جديد، فدخل ثلاجة البرلمان منذ يونيو 2016، حيث بقي مشروع قانون “من أين لك هذا؟” حبيس أدراج لجنة العدل بمجلس النواب، رغم تعاقب حكومتين بقيادة حزب العدالة والتنمية.

وسابقا لم تُخْفِ بعض الجهات المهتمة بشان المال العام أن “هناك تلكؤا ومحاولة للتصدي لنص قانوني يستهدف المساهمة في محاربة الفساد، مما يبرز قوة اللوبي المناهض لأي تحول بالبلد”، خصوصا، وأن المتلكئين والمناهضين والرافضين و”أصحاب عين ميكا” و”المقاومين” لكل المبادرات التي من شأنها أن تسد منابع الفساد”، يتخوفون على مصالحهم وعلى الثروة التي تراكمت بطرق غير مشروعة…

هذه الزوبعة جعلت المواطن العادي في حيرة من أمره، إذ صدحت أصوات تثير الغرابة من دعوات الحكومة بمكافحة الفساد، وأنه قد حانت بداية نهاية عهد اللصوص واللصوصية..

الا أن الألباب من المواطنين يرون أن مكافحة الفساد لا زالت في طور وضع المعايير والموجهات في الوقت الذي تعد لها الحكومة الآن الخطط والعراقيل كي تفشلها قبل أن تبدأ عملها الذي علينا انتظار مرور 100يوم من تسليمها قيادة البلاد والعباد، كما ذكر ناطقها الرسمي في إحدى تصريحاته الأخيرة، للوقوف على حقيقة اولى المنجزات لهذه الحكومة.

ويخشى الألباب من عامة الناس بالبلاد ان يكون لسحب القانون الجنائي وخاصة ما يتضمنه في باب تجريم الثراء غير المشروع فرصة لتغييب محاكمة أو محسابة السادة الملهمين، أصحاب السطوة والعزة بالإثم!؟؟.. والسبب الرئيسي في دمار وخراب البلاد وذمم العباد… والتركيز على تطبيق جريمة الإثراء غير المشروع فقط على الموظفين الخاضعين للتصريح الإجباري بالممتلكات، وعددهم حوالي 110آلاف موظفا… هذا النص الذي جرى إعداده في سياق خطة محاربة الفساد.

الموضوع جد معقد، فالجميع يمسك بملفات أزكمت الأنوف وبعضها “قذرة”؟ والقائمة لا قد لا يكون يعلمها إلا القائمون عن الشؤون في البلاد…

فهل نعتبر أن أية جهة تدافع أو تعترض او تستر على القائمة الغير المعلومة، والتي هي غيض من فيض، قد وضعت نفسها في دائرة الشك وتلبست جرمها قبل أن يبدأ العمل الفعلي للحكومة؟ لأن القائمة اساسا إفتراضية، وضعت بغرض تضييق نطاق البحث، كما وأن المتنفذين من اللصوص ومن دار في دائرتهم لا تهزهم مثل هذه القائمة ولا غيرها، ولا يخافون لا من الحكومة ولا من غيرها، ولا حتى يخافون من الله عز وجل وعلا، الذي لا يحب الفساد، نهايك عن المفسدين، كما أنهم لا يكترثون لقول المعصوم «صلى الله عليه وسلم» “أن فاطمة، إبنته وقرة عينه ستقطع يدها إن هي سرقت”… هؤلاء هم كوارث البلاد بحق وأعمالهم تشهد عليهم قبل الناس… وإن وجهت لهم تهمة يهددون بهدم أعمدة البلاد علي الجميع، ولا أحد يعرف بعد، هل ستبدأ الحكومة هرميا، من أعلي لأسفل دون أن تستثني حتى المقربين،؟!، وهل هناك ”تحلل” أم هناك محاكمات، وهل ستكون المحاكمات علنية أم ”بالدس” ؟وهل سيرجعون المسروق أم سيقولون كما قال قارون ” إنما أوتيته على علم عندي”؟….

فلنفكر جميعا وبعقلانية في فداحة الكارثة، فالبلد تسير في طريق منهارة اجتماعيا، واللصوص المفترضون هم اللصوص المفترضون؟؟.. بعضهم يرفلون، إما في نعمة المنصب، أو في رائحة أثره الباق، إذا عز عليهم ” الكاش” بسبب تطبيق الإيصال الإليكتروني، فإن ”العضعضة” كثيرة، أسهلها الإستيلاء على كم قطعة من الأراضي المميزة ومعها مزرعة ومنجم تعدين أو “عضة” في سوق الله أكبر، أو جلب الشركات بمعرفتهم لتنفيذ عمل حكومي فيه ”عضة“.

صحيح أن بلدنا يتوفر على مؤسسات قوية تحارب الفساد والمفسدين كالمجلس الأعلى للحسابات وبنك المغرب. بالإضافة لوجود ترسانة قانونية تستوفي كل أوجه الفساد إضافة لجهاز قضائي فعال.

كل ذلك ينبغي أن يتعزز بأنظمة الذكاء الاصطناعي وبرامج رقمية تسهل الحصول على المعلومة، وتكرس مصداقية مؤسسات الدولة.. ولصون المال العام من الناهبين والمتهربين من أداء الضرائب.

هناك فئة في كل القطاعات وخاصة العمومية تقاوم بشكل كبير الشفافية والوضوح. وذلك لأن هؤلاء يحتاجون للظلام وللخفاء لقضاء مآربهم الدنيئة في سرقة المال العام أو تحصيل امتيازات خاصة.

والأمثلة عديدة، فمثلا لو كانت ميزانيات الجماعات المحلية مرقمنة ومجدولة مع تحديد المداخيل والمصاريف وكلفة المشاريع والمساطر المتبعة بالإضافة لتمكين الجميع من الاطلاع عليها، فذلك سيقطع الطريق عن ناهبي المال العام والمتلاعبين في الفواتير والذين يسمسرون في الصفقات العمومية مقابل رشاوي وإتاوات.

ولا يقتصر الأمر على من هم في مناصب المسؤولية، بل حتى صغار الموظفين.

ولكن بالرغم من هذه النظرية التي قد يصنفها البعض من المناهضين بحقائق الامور ، لابد من الاعتراف بأن هناك جانب مشرق في الإدارة العمومية بالمغرب. وهو تشبع أغلب الأطر الشابة بقيم الصدق والمحافظة على الأمانة والمروءة والضمير المهني. ونلاحظ ذلك في صفوف شباب الأمن الوطني والدرك الملكي الذين صاروا يتعففون من استغلال مناصبهم وابتزاز المواطنين عكس بعض العقليات القديمة…. ولا يتعلق الأمر بالشرطة والدرك فقط بل جل شابات وشبان مختلف الإدارات العمومية يشتغلون بمهنية عالية وضمير مهني…. هذا الأمر ينبغي تشجيعه من خلال تثمين مجهوداتهم وتعزيزه عن طريق استعمال التكنولوجيا الحديثة في ضبط المخالفات وتعزيز القوانين وتشديد العقوبات على كل من ثبت تورطه في جرائم الأموال بأنواعها.

إن سحب قانون تجريم الثراء غير المشروع هو تكريس لسياسة “زيادة الشحم في كرش المعلوف” (كما يقال بالدارجة والعامية المغربية)، ومحاربة الفساد أو الثراء غير المشروع ليست بمواجهة الفساد في القبض علي شخص، في الحقيقة إنه مرض يجب اقتلاعه من جذوره.

صحيح أن الدولة بدأت في التحرك بشكل سليم لمواجهة الفساد، لكن يجب أن ندرك أن الفساد كالإرهاب يتطلب إرادة حقيقية مثل الإرهاب يحتاج وقتا طويلا، وانتهاج سياسات تقوم على الشفافية وإصلاح منظومة الأجور ومواجهة الغلاء الفاحش الذى يبلع المرتبات الهزيلة التى لاتسمن ولا تغنى من جوع، إضافة إلى تقوية الوازع الدينى نحو تحريم الاستيلاء على المال العام أو الخاص.

كما أن الداعين لسحب قانون تجريم الثراء غير المشروع كان عليهم أن يستحضروا تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي، والبيئي، والذي أقر بوجود اختلالات بنيوية في تسيير الشأن العام، ودق ناقوس الخطر لأن الوضع غير مريح بالمرة في عدد من المناطق المغربية خاصة بالاطلس المتوسط وبدرعة وبتافيلالت وبجبال الريف، وكذلك تقرير المجلس الأعلى للحسابات الذي أجمل تدبير الشأن العام في اختلالات عميقة لها إنعكاسات سلبية على تنمية هذه المناطق، ولا يمكن تحت أي مبرر أن يبقى الحال على ماهو عليه، ليس لأن الحكومة سحبت قانون الإثراء غير المشروع، ولكنها سمنتح حماية لعرابي الفساد الذين نهبوا ودمروا وأفسدوا الحياة المغربية ككل.. حكومتنا الله يزيد “اصحاب التيكيت” والذين يعرفون من “أين تأكل الكتف” فبلادنا ثراء في ثراء، (اللهم لا حسد)…

والله يتولانا نحن قوم بوزبال،…

 ولْتتمتع حكومتنا بالحياة الدنيا…..

صحيح حكومتنا تطبق الآية: “وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ”.. السورة ورقم الآية: النحل: (71)…. «صدق الله العظيم».. وأعود بالله من الشيطان الرجيم.

أقول هذا وليس اعتراضنا على اختصاص الله احدا بنعيمه المباشر، لكن التربح من المال العام وأقوات الغلابة والمغبونين من عامة الشعب فى ظل ضعف شديد فى الرقابة والملاحقة الناجزة وطابور طويل من الإجراءات الجنائية وغيرها من الأمارات التى تمنع ملاحقة الفاسد والمرتشى والراشي، فهذا هو الفساد الحقيقى، لأن مواجهة الفساد تحتاج لدعم ثقافة المراقبة الذاتية والتوعية بخطورة الرشوة والمحسوبية، مع العمل علي تحسين منظومة الأجور وتحقيق العدالة الاجتماعية بما يسهم في تقدم البلاد وتحسين صورتها بشكل موضوعي وواضح وترتيب البلاد على مؤشرات مواجهة الفساد، وهو ما يساهم في تحسين مناخ الاستثمار وجذب رؤوس الأموال الأجنبية.. وإذا كان غير ذلك لقادة حكومتنا المحترمين نقول:

 “لماذا لاتُجَرِّمُ الحكومة تفقير المواطنين بحرمانهم من أسعار معقولة، ومن عدم تشغيل العاطلين، ومن عدم رعاية الأرامل والأيتام، ومن غياب دعم كاف للمعوزين من توفير العيش الكريم، ومن ضمان الحق في الحياة لكل مواطن في هذا الوطن السعيد؟!!..

سؤال لا يحتاج الى “تخمام”, وإن عجزتم، فجرِّموا هؤلاء المغبونين واسألوهم: “من أين لهم بهذا الفقر؟”

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: