هكذا كانت تعيش مكناس حين كان “الميلود يلاقيني باحبابي”

0

هكذا كانت تعيش مكناس حين كان “الميلود يلاقيني باحبابي” في طقوس الحضرة وأجواء الاحتفال بذكرى المولد النبوي بضريح “الشيخ الكامل”
ريحانة بريس- محمد عبيد
كانت مدينة مكناس قبل حلول جائحة كورونا قد اشتهرت بمناسبة عيد المولدي النبوي الشريف بنوع خاص من الطقوس والعادات الدينية من طوائف صوفية تخلد بالمناسبة لموسم الولي الصالح الشيخ الكامل… فضلا عن قيام جلسات مدح وأذكار وتبادل للزيارات مع الأهل والأصحاب وحلويات تجهز للمناسبة، غير أن الحال يبدو مختلفا قليلا خلال المناسبات الثلاث الأخيرة من هذا العيد.
فمكناس كانت ايام عيد المولد النبوي قبلة توافد عدد من الزوار سواء من القرى و المناطق القريبة منها او من مدن ا خرى جل اهلها من الاطلس المتوسط (آزرو ،خنيفرة، مريرت، الحاجب ….) او من منطقة الغرب(سيدي قاسم، سيدي يحيى الغرب سوق اربعاء الغرب بلقصيري…) فضلا عن استقبال الاسر لافراد من عأيلاتهم من خراج مكناس..
عبارة كانت تردد “الميلود يلاقيني باحبابي” ويتم تداولها بين المكناسيين كلما هلت أيام عيد المولد النبوي حيث تتحول العاصمة الإسماعيلية إلى قبلة لكل الأهل و الأقارب المتوافدين خارجها لظروف حياتية عملية بل لا تنحصر حلول عيد المولد النبوي استقطاب و استقبال شريحة من نوع خاص بالطقوس وبالعادات الدينية من طوائف صوفية تخلد بالمناسبة لموسم الولي الصالح الشيخ الكامل…
ومن اجل التلاقي او التفرج الكل كان يضرب موعدا بفضاءات بمكناس (ضريح الشيخ الكامل، ساحة السوق الاسبوع سوق الاربعاء بمنطقة سيدي سعيد، بفضاء ساحة الزوينة بين حي بني امحمد واحياء المدينة القديمة،…) …
ضريح الشيخ الكامل أو زاويته كانت منذ وفاته محطة بارزة في مكناس كلما حل عيد المولد النبوي الشريف للحفاظ على ما كان يقام في حيته من شعائر دينية حيث يحضر الفقهاء من كل حدب صوب لاستذكار المعرفة التي كان يتحلى بها الشيخ الكامل في أصول الدين و الفقه والقيام بليالي صوفية و لتكون كذلك فرصة لإقامة الحفلات الطائفية إذ القوافل العيساوية تنطلق من تقاوس باب تلتفحون حيث كانت تجوب مختلف شوارع مدينة مكناس القديمة من باب الجديد وباب البرادعيين وشوارع وظهر السمن والروامزين، وساحة الهديم وشارع السكاكين في اتجاه باب الجديد وساحة ضريح الشيخ الكامل.
كما كانت احيانا اخرى تطوف محيط الضريح في تجاه سيدي سعيد و باب الخميس إلى ساحة زين العابدين إلى ساحة الهديم …. هذه النقط التي تكون مكتظة الزوار والمتفرجين إلى جانب فضاءات منتشرة هنا وهناك في مكناس الاسماعلية (المدينة القديمة) وتنصب بها خيام إقامة المتوافدين الذين لا أقارب أو اسر لهم بمكناس والمرتبطين روحيا بشعائر وطقوس الموسم الخاص بالشيخ الكامل.
كان لابد من الاستيقاظ باكرا كي يظفر المرء بمكان استراتيجي على طول مسار الطوايف بكل ألوان عيساوة وحمادشة وجيلالة وبوهالة وكل المجموعات الصوفية القادمة من تخوم البلاد البعيدة .. لعل طايفة “سحيم واولاد احمر ” كانت هي أخطر مجموعة باعتبار طقوس الافتراس عندها .. ولا تنافسها إلا طايفة “سيد المختار” وهم من يكرهون اللون الأسود.. وترى أياديهم مرتفعة تشير لأي شخص يلبس لباسا أسود أو أحمر، أظافر العجائز العيساويات الطويلة تثير التقزز وربما الرعب، كما شعورهن المنفوشة تجعلك تستحضر صورة عيشة قنديشة كما تمثلتها كل حالة خوف.
مواكب الحجاج العيساويين تتفاوت طبقاتها بما يظهر جليا في شكل الهدية التي سيقدمونها للزاوية، ولكل واحدة أعلامها ورموزها و”معلموها” الذين تتفاوت أناقتهم العيساوية وطبقاتهم الاجتماعية وكل هذا يلخصه الثور الهدية أو “الضروبة(العجل او البقرة) التي تقدم لأولاد الشيخ الكامل عند بلوغ منتهى الموكب، وقد تكون الطائفة من المحظوظين ويتم ذبح ثورها مباشرة عند باب الضريح ليتم إطعام مئات وربما آلاف حجاج الضريح ممن يظلون ويبيتون لأيام متوالية داخل فضاءات ومسارب الضريح الداخلية بشكل غرائبي حقا حتى أنك تجد من يبيت الليل قاعدا من فرط الازدحام والكل لا يريد إلا بركات الشيخ الهادي بنعيسى سيد الزاوية وقطب الطائفة العيساوية.. ويكثرون من ترديد الشعائر الصوفية:
“الله الله الدايم الله…
عادَة عادَة عدَة عدَة عدَة…
شايللاه الهادي بنعيسى….التسليم!”
هكذا كان الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في مكناس قبل جائحة كورونا….فلقد كانت مكناس تعيش طقوسا صوفية متميزة فضلا عن تنظيم جلسات مدح وأذكار وتبادل للزيارات مع الأهل والأصحاب وحلويات تجهز للمناسبة.. فاللهم ارفع عنا هذا البلاء.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: