محمد عبيد يكتب : “بالمهماز”حكامة وترشيد من نوع آخر في “الإدارة العامة للكباب”

0

ريحانة برس – محمد عبيد

يتداول الكثيرون في منصات التواصل الاجتماعي تحديد مفهوم الحكامة على اعتبار أن الشبكة العنكبوتية غنية بمواد متنوعة حوله، والتي تلتقي على أنها “أسلوب ممارسة السلطة في تدبير الموارد اعتمادا على المبادئ العامة للحكم:

سياسات رشيدة اقتصاديا واجتماعيا، شفافية حكومية، وقابلة للمحاسبة المالية، إنشاء محيط ملائم للسوق قصد التنمية، تدابير لمحاربة الرشوة، احترام القانون وحقوق الإنسان، حرية الصحافة والتعبير، كمبادئ ستكون أساسية في تأسيس علاقات التعاون…

“كما أن عددا من الباحثين يتفقون في مجال التدبير العمومي على أن الحكامة هي أداة لضبط وتوجيه وتسيير التوجهات الإستراتيجية الكبرى للمؤسسة، ويعتبرونها أسلوبا جديدا في التدبير يدعم تذويب الحدود وتشجيع التشارك بين المسيرين والمساهمين، وأخيرا آلية تتوخى حسن التنظيم وتوزيع المسؤوليات وصقل القدرات ودعم التواصل داخليا وخارجيا!
وهي كلها مقتضيات تفيد أن الكل ينخرط في التفكير وفق قدراته العقلية “العقل أعدل قسمة بين الناس”, ويساهم في بلورة وتنفيذ وتتبع وتقييم قرارات معينة، وهو توجه ديمقراطي جد متقدم بالنظر للممارسة النخبوية والمركزية القديمة، غير أن عقلياتنا تقتضي التساؤل حول تمثلات المساهمين للمقررين؟….خصوصا في تدبير الشؤون المحلية والاقلمية وفي كيفية استحضار العقلانية والوضوح عند التعامل بين مكونات كل طرف من الاطراف المتداخلة في اتسيير والتدبير التشاركي (جماعات محلية، مجالس إقليمية، عمالات) !؟؟؟ بعيدا عن لغة الخشب وإنزال مطرقة القوة على السندان الهش!!!

لن أتعمق كثيرا في مفهوم الحمامة وحسن التدبير، لكن اتساءل هل فعلا إداراتنا ومؤسساتنا تسير أمرها على النحو المثالي لشعار الحكامة؟؟؟…

كثيرون من الناس يمتعضون من الفعالية المتوخاة من وراء هذا النهج المعول عليه لترشيد نفقات الادارة العمومية ككل…
سأقف هنا وأفسح لكم المجال لتقرأوا معي وبتمعن هذه القصة الهزلية المضحكة والممتعة في الوقت نفسه، لكنها لاتخلو من بعد واقعي مؤسف وحزين…

القصة للكاتب الساخر أحمد رجب كتاب جميل بعنوان «صور مقلوبة» يستعرض فيه صوراً ساخرة من الحياة اليومية لشخصيات هزلية بطريقة فائقة الإمتاع…
تقول القصة :
كانت إحدى الشخصيات وهو موظف حكومي مفتون بالأنظمة والروتين قد طلب منه مديره أن يؤمِّن متطلبات حفل غداء لضيف أجنبي قادم لزيارة المصلحة، فيصر الموظف على إجراء مناقصة والإعلان عنها في الصحف لتوريد طعام الغداء، لكن وبعد ضغط من مديره يوافق على تأمين الطعام دون مناقصة لضيق الوقت، ويكاد يمر حفل الغداء بسلام لولا مفاجأة غير متوقعة حصلت بعد نهاية الحفل، إذ إن أطباق الكباب وصلت متأخرة بعد انصراف الضيف الذي اكتفى بتناول الملوخية والدجاج ولم يلاحظ تأخر الكباب، هنا يقترح أحد الموظفين (المتهاونين) أن يأكلوا هم الكباب الذي ساقه الله لهم، لكن صاحبنا الموظف الهمام يعترض بشدة ويحذرهم بأن هذا مال الحكومة وأن الكباب أصبح عهدة لا يمكن المساس بها، ويقوم بجردها ويقيس وزن أصابع الكفتة وطولها وحجم السلطات وحتى أوراق البقدونس المفروشة تحت أصابع الكفتة، ويكتب محضراً بالواقعة ويرفعه لمدير الشؤون المالية الذي يحوله لعهدة أحد الموظفين لحفظه كجزء من الأموال العامة التي لا يجوز التصرف فيها بأي شكل من الأشكال.

ويتطور الحال بكيلو الكباب الثمين فالموظف المؤتمن عليه يطلب توفير ثلاجة لحفظه من التلف، وتتم الموافقة على الطلب حفاظاً على المال العام، ثم يرفع طلباً يشتكي من انقطاع التيار الكهربائي ويطالب بصرف لوح ثلج يومياً كإجراء احترازي في حال انقطاع التيار، ولأن التيار يمكن أن ينقطع مساء وخارج أوقات الدوام يطلب أن يعين معه موظفين آخرين لمراقبة تبريد الكباب طوال ساعات اليوم، فتصدر الموافقة على طلبه ويتم تعيينه رئيساً عليهم بحكم الأقدمية والخبرة ويستمر الحال هكذا حتى تتشكل بعد فتره إدارة جديدة في الوزارة اسمها:”الإدارة العامة لتبريد الكباب”.
القصة الهزلية مضحكة وممتعة في الوقت نفسه، لكنها لا تخلو من بُعد واقعي مؤسف وحزين، فالأنظمة التي وضعت لضبط العمل ومنع الفساد تتحوَّل عندما تطبق بدون وعي إلى عبء على العمل بدلاً من أن تساعد في إنجازه، وتفتح باباً خلفياً واسعاً للفساد والهدر يصعب إغلاقه مع مرور السنين وتراكم الأخطاء.

فكيلو الكباب الذي في القصة كان يمكن التخلص منه بعشرات الطرق، بل إن المدير العام عرض على صاحبنا أن يدفع ثمنه للوزارة وينهي القصة، لكن الموظف رفض ذلك الحل لأنه غير نظامي ومخالف للقوانين.

ترى كم كيلو كباب افتراضياً تراكم في وزاراتنا ومصالحنا الحكومية؟ وكم من تلك الإدارات تحوَّلت مع مرور السنين إلى إدارة لتبريد الكباب دون أن تشعر؟

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: