أوراق من ويكيليكس حول الانتخابات المغربية

0

سعيد سالمي – ريحانة برس

عدت إلى برقية ويكيليكس حول الانتخابات المغربية، والتي كانت قد أخذت مني في الانتخابات الاخيرة ثلاثة أيام لترجمتها لهدف واحد وهو توثيق نظرة السفارات الاجنبية لواقعنا السياسي، فأثار انتباهي أمران:
الأول هو حجم الفساد والتدخل السلطوي الذي تندد به الكثير من الاصوات منذ بداية الحملة الحالية.. لا شيء تغير.

الثاني، وهو الاهم، هو عدد السياسيين المغاربة الذين “يخبرون” السفير الامريكي باختلالات السياسة في بلدهم، ولا أحد اتهمهم بالعمالة مثلما حدث مع عمر الراضي.. وفوق كل ذلك اعترف انني لم أترجم ما تضعه السفارة في برقيتها بيون قوسين كلما تكلمت عن أحدهم وهي كلمة Protected مع كل ما تعنيه..

برقية بتاريخ 14 يوليوز 2009، من توقيع روبرت جاكسون، المكلف بالأعمال في السفارة الأمريكية في الرباط.
الانتخابات بين فساد اللعبة وضغوط السلطة..
تلخيص:
1 – رغم أنّ الانتخابات المحلية الأخيرة، التي أجريت في 12 يونيو (2009)، مرّت في أجواء شفافة نسبياً، فإنّ الانتخابات التي تلتها، من أجل اختيار رؤساء المجالس الجماعية وعمداء المدن، قد تشكّل خطوة إلى الخلف في طريق التحول الديمقراطي في المغرب. وعموما فإنّ عملية تنصيب رؤساء المجالس وعمداء المدن، عن طريق الاقتراع غير المباشر، ظلّت على الدوام مسرحاً لممارسة الضغوطات وشراء الاصوات.

هذه السنة، لم يكتف حزب «الأصالة والمعاصرة»، حزب فؤاد عالي الهمة، بأدائه الانتخابي الجيّد، ولجأ إلى نهج أساليب غير عاديةـ لممارسة الضغط السياسي، بما في ذلك إقحام اسم الملك محمد السادس لإجبار الأحزاب الأخرى على التحالف مع «البام» في انتخابات المجالس المحلية والتخلي عن حزب «العدالة والتنمية». وقد نتج عن ذلك غياب «العدالة والتنمية» عن التحالفات التي تسير كل من الدار البيضاء، وطنجة (عادت لتحالف «البام»)، ووجدة.

الطامة الكبرى، أن القصر فيما يبدو تدخل في مناطق عديدة لمنع «البيجيدي» من تسيير المدن الكبرى، في حين سمح له برئاسة مجالس المدن المتوسطة، على غرار القنيطرة وتطوان. وقد بدا تدخل القصر أكثر وضوحاً في مدينة وجدة، حيث تدخل الوالي ــ الممثل المحلي لوزارة الداخلية ـ لإلغاء التصويت الذي كان سيفرز فوز تحالف «العدالة والتنمية» في 24 يوليوز (2009)، والسماح بفوز تحالف «البام». كما أن الشرطة وأجهزة المخابرات بالمدينة قامت بتعنيف أنصار العدالة والتنمية وتسببت في إدخال رئيس المكتب المحلي للحزب في غيبوبة.

مصادر مقربة من السفير الفرنسي، ومصادر أخرى، أكدت تواطؤ القصر لصالح «البام» ضد «البيجيدي». «البام» أساء لسمعته كحزب اصلاحي، وعزز الانتقادات التي تصفه بانه أداة في يد القصر. الصورة مختلطة، كما عهدناها، والظاهر أن تدخل القصر كان ضد «البيجيدي» أكثر منه لصالح «البام». في العيون، في الصحراء الغربية، تلقى «البام» هزيمة ساحقة على يد الآلة الاستقلالية لولد الرشيد. وعلى العموم فإن هذا التحكم سيؤثر سلبا على الدعم الذي يحظي به التحول الديمقراطي المغربي الناشئ
“الأصالة والمعاصرة” حزب الملك.

2 – على مدى أزيد من أسبوعين، شهد المغرب تغطية واسعة للخروقات التي اقترفتها الاحزاب السياسية، والفساد، وتدخل السلطة خلال سباق انتخابات رؤساء المجالس المحلية التي أجريت مؤخراً. على عكس الانتخابات العامة التي أجريت في 12 يونيو (2009)، والتي صوت فيها المغاربة لاختيار أعضاء المجالس المحلية في أجواء شفافة نسبيا، فإن الأسبوع الذي استغرقته عملية انتخاب رؤساء المجالس البلدية (في المدن الصغرى) والعمداء (في المدن الكبرى)، تميز بتسجيل العديد من الاختلالات.

ولأن العمداء يتم اختيارهم من خلال اقتراع غير مباشر، من طرف المنتخبين الذين أفرزتهم الانتخابات السابقة، والذين يمثلون رزمة من حوالي 30 حزباً ( قرابة 6 منهم يهيمنون على السياسة المغربية)، فإن العملية برمتها تتلخص في مفاوضات تشكيل الأغلبية في كل مدينة وجماعة. وعموما يوكل منصب العمدة او رئيس المجلس المحلي إلى أبرز مسؤول في الحزب الأول داخل كل تحالف.

3 – في مناسبات عديدة طوال هذه المفاوضات، كانت قيادات «العدالة والتنمية» تحتج وتتهم «الأصالة والمعاصرة» بنهج أساليب غير عادية في الضغط (بمعنى أساليب مختلفة عن العادات الفاسدة المألوفة التي تميز هذه العملية، شاهد الفقرة 10)، لإجبار الأحزاب الأخرى وأعضائها على الإنضمام للتحالفات التي يقودها «البام»، والانسحاب من تحالفات «البيجيدي» في المدن الرئيسية.

يوم 29 يونيو حضر المستشار السياسي للسفارة نقاشاً سياسي بين زعماء الاحزاب، وجه فيه عبد الاله بنكيران، الأمين العام لحزب «العدالة والتنمية» ، انتقادات لاذعة لحزب الأصالة والمعاصرة واتهمه بممارسة أساليب غير عادية في الضغط، من خلال توظيف اسم الملك محمد السادس والترويج لمزاعم مفادها أن الملك يفضل أن تنضم الأحزاب لتحالفات «البام» من أجل مواجهة «البيجيدي».

في الدار البيضاء ووجدة وطنجة. ولان مؤسس حزب «الأصالة والمعاصرة» معروف بكونه «صديق الملك»، فان نجاح حزبه مرده أساسا ًإلى الصورة التي تشكلت عنه في أذهان الناس كشخص يحظى بثقة الملك. اتهامات بنكيران تلك لقيت ترحيبا من قبل الحضور وقوبلت بوابل من التصفيقات، أما ممثل «الأصالة والمعاصرة» فقد اعتبرها «ضرباً من الحسد» ليس إلا.

4 – النائب البرلماني عن حزب «العدالة والتنمية» ، الأمين بوخبزة، أكد اتهامات بنكيران، وقال إن «البام» شن «حملة تشهير قذرة على أعضاء «العدالة والتنمية» ، ووصفهم بالحشاشين والمهربين والارهابيين والمجرمين، مستغلاً دعم بعض الأجهزة الامنية التي تمكنه من معلومات خاصة». وتابع أنهم «ركزوا على المدن الكبرى، وتركوا للبيجيدي المناطق الأخرى»، مضيفاً أنه «إذا أمعنت النظر إلى المدن التي فاز «البيجيدي» برئاستها (على سبيل المثال القنيطرة والعرائش وتطوان وشفشوان) فانها تشترك في كونها صغيرة نسبيا، وفقيرة، وتفقتر الى استثمارات السلطة المركزية».

5 – مصدر في السفارة الفرنسية أسرّ لمستشارنا السياسي يوم 9 يونيو، أن أحد معارفه في الدوائر العليا للسلطة أكد له أن الملك محمد السادس أصدر فعلاً تعليماته بعدم السماح للبيجيدي بتولي الرئاسة في العديد من المدن كطنجة ووجدة. فوز البام مثلا برئاسة مجلس طنجة يبدو مشبوها للغاية؛ لقد تحالف «البيجيدي» مع « التجمع الوطني للاحرار» وشكّلا أغلبية على أساس أن يوكل منصب العمدة لحزب مقابل أن يتولى «البيجيدي» منصب نائب العمدة. وفي اخر لحظة انسحب أعضاء «التجمع» من التحالف، بدعوى «أنهم تعرضوا لضغوط كبيرة» على حد قولهم، دون أن يقدموا توضيحات إضافية. وتم استبدال هذا التحالف بتحالف «البام» رغم أنه احتل الصف الرابع في الانتخابات المحلية.
وجدة: تدخل السلطة أفسد عملية انتخاب مجلس المدينة.

6 – تواطؤ وزارة الداخلية في دعم حزب «الأصالة والمعاصرة» ــ أو على الأقل منع «البيجيدي» من تسيير المدن الكبرى ــ يبدو أكثر وضوحاً في وجدة، التي أحرز فيها حزب «العدالة والتنمية» على أغلبية المقاعد. وفي يوم 25 يونيو رفض مسؤولو وزارة الداخلية التحالف الذي شكله «البيجيدي» مع «الحركة الشعبية» وأحزاب أخرى، بدعوى أن النصاب القانوني غير كاف.
وقال ثلاثة عشر منتخبا من الذين تحالفوا مع البيجيدي، بمن فيهم ستة أعضاء عن «الحركة الشعبية»، إنهم تعرضوا للضغوط من طرف مصالح الاستعلامات العامة للانسحاب من تحالف «البيجيدي»، بمن فيهم فدوى المنوني، التي كشفت في شريط فيديو نشرته على اليوتوب يوم 27 يونيو أن الأعضاء الـ 13 الداعمين لتحالف البيجيدي تعرضوا للاستنطاق من طرف الشرطة المحلية، والابتزاز من طرف مصالح الاستعلامات العامة. أعضاء آخرون من «الحركة الشعبية» أفادوا أن رئيس الحزب، محمد العنصر، كان في بادئ الأمر مسانداً للتحالف مع «البيجيدي»، وعندما تم رفض التحالف، غير موقفه. أما فدوى المنوني والخمسة الآخرين الذين استمروا دعم حزب «العدالة والتنمية» فقد تم طردهم من الحزب يوم 9 يوليوز. بعدها اختفت المنوني عن الانظار، ويوم 11 يوليوز حذفت الشريط من اليوتيوب ومع ذلك لم يظهر لها أثر منذ ذلك الحين.

7 – في الثالث من يوليوز، يوم إعادة التصويت وانتخاب رئيس المجلس الجديد، احتج اعضاء من حزب «العدالة والتنمية» و«الحركة الشعبية» ومنتخبون آخرون على تدخل السلطة. ووفقا لتقريرات صحفية، فقد تم الاتصال بالشرطة من أجل التدخل ووقف الاحتجاج، وقد أسفر تدخل قوات الأمن عن تعنيف نور الدين بن بكر عن «البيجيدي» (كانت ستوكل له العمدة لو نجح تحالف البيجيدي) على مستوى الرأس، ما تسبب له في نزيف داخلي، ودخل في غبوبة. كما أصيب أعضاء آخرون بجروح أقل خطورة، وتم اعتقالهم، قبل أن يطلق سراحهم فيما بعد. وفي نفس اليوم أوكل حزب «الاستقلال»، أحد الداعمين لتحالف «البام»، منصب العمدة لشقيق وزير النقل توفيق حجيرة. وحسب تقارير صحفية، فإن النائب البرلماني مصطفى الرميد، الذي أتى الى وجدة لمساندة اعضاء حزبه، تم منعه من دخول مقر البلدية.

8 – إطار في البرلمان، وهو عضو سابق في حزب «الحركة الشعبية»، أسرّ للمستشار السياسي للسفارة يوم 13 يوليوز أن أعضاء «الحركة» الستة في وجدة تلقّوا تهديدات شديدة من طرف السلطة المحلية ومن طرف أشخاص من حزب «الاصالة والمعاصرة»، وصلت حد الترويع الممنهج لإجبارهم على الانسحاب من تحالف «البيجيدي».

وأكد المصدر ذاته أن «هذه التهديدات كانت تتم باسم القصر»، مضيفا «أنهم (أعضاء الحركة الشعبية الستة) وجدوا انفسهم في وضعية صعبة». وشدد أنه علم من بعض معارفه من السياسيين أن «القصر يتخذ كل الإجراءَات الضرورية لمنع العدالة والتنمية من تولي عمودية المدن الكبرى». وتابع أنه «يعرف بعض المستشارين الذي تعرضوا لنفس الأشكال من الضغط، أي من طرف البام والسلطة، في مجلس مدينة سلا وحتى في الرباط» ( ملحوظة: أفادت تقارير صحفية أن المنتخبين تراجعوا عن انتخاب لحسن الداودي كعمدة للرباط تحت ضغط السلطة، إلا أن «البيجيدي» بقي في تحالفه لدعم الإتحادي ووزير المالية السابق فتح الله ولعلو).

9 – لائحة رؤساء المجالس المنتخبة عام 2009 وتحالفاتها
اختلالات مألوفة سيئة للغاية
10 – حتى إذا استثنينا الأحداث الغريبة المذكورة آنفا فإن عملية انتخاب رؤساء المجالس المحلية ظلت دوماً تمثل واحداً من أبشع مظاهر الفساد وغياب الشفافية. ووفقا للسيدة «جامي ترون»، المسؤولة التنفيذية في «المعهد الجمهوري الدولي»، فإن هذه الانتخابات، رغم أنها لا تشكل اسثتناء للقاعدة، فإن المراقبة الدقيقة التي تفرضها الدولة على الدعم الذي تخصصه للحملات الإنتخابة تجعل الاحزاب يستقطبون الاغنياء لخوض المعارك الانتخابية، والمساهمة في إغناء «صناديقها السوداء». وركزت السيدة «ترون» على ظاهرة «الاختطاف» السياسي الذي يتعرض له المنتخبون مع أُسرهم، واحتجازهم في الفنادق كرهائن طيلة مدة التفاوض لقطع الطريق أمام «العروض مضادة» للمنافسين.

11 – يبقى فوز البام مع ذلك منزوع الدسم نظرا لكثرة الدعاوى والطعون المرفوعة ضده أمام القضاء، دون احتساب تلك التي سبق أن خسرها، بما فيها قضية نجمته الجديدة، العمدة الشّابّة التي تم انتخابها في مراكش وصدر في حقها حكم قضائي باعادة التصويت في دائرتها. مسؤولون في البام قالوا إنهم لن يستسلموا لهذه التحديات القانونية وأنهم سيستأنفون الاحكام التي صدرت ضدهم.

12 – يبقى فوز «البام» مع ذلك منزوع الدسم نظرا لكثرة الدعاوى والطعون المرفوعة ضده أمام القضاء، دون احتساب تلك التي سبق أن خسرها، بما فيها قضية نجمته الجديدة، العمدة الشّابّة التي تم انتخابها في مراكش وصدر في حقها حكم قضائي باعادة التصويت في دائرتها. مسؤولون في «البام» قالوا إنهم لن يستسلموا لهذه التحديات القانونية وأنهم سيستأنفون الاحكام التي صدرت ضدهم.

تعليق : كما جرت العادة في السياسة المغربية، نحن بصدد صورة مختلطة تعكس واجهتين مختلفتين تمام الإختلاف؛ التطور من جهة، واستمرارية السلطوية الملكية من جهة أخرى. فرغم أن الانتخبات المحلية مرّت في أجواء شفافة نسبيا فإن انتخابات المجالس المحلية شكلت خطوة إلى الخلف في طريق التحول الديمقراطي..
بالنسبة للبام، لا شك أن تدخل السلطة لمنع حزب «العدالة والتنمية» من الوصول إلى مجالس المدن، أفسد الجهود التي بذلها حزب «الاصالة والمعاصرة» لكي يقدم نفسه كحامل للواء الدمقرطة، رغم احرازه على أغلبية المقاعد المنتخبة على الصعيد الوطني، وانتخابه لمئات الشباب الإصلاحيين حديثي العهد في عالم السياسة، وسيطرته على رئاسة بعض المدن الكبرى. ضغوطه التكتيكية وتنسيقه مع السلطة من أجل اقصاء «البيجيدي» من رئاسة مجالس المدن يعزز بشكل جلي الانتقادات الموجهة إليه بوصفه أداة في يد القصر. ومع ذلك فقد عانى الأمرين في مواضع أخرى، كما هو الشأن في الصحراء.

بالنسبة للبيجيدي، فإن اقصاءه من تسيير المدن الكبرى، قد يكون إما نتاجاً لسيرورة عادية للتدافع السياسي، وإما نتيجة تدخل السلطة والاجهزة الأمنية، كما هو الحال في وجدة، وتم حرمانه بالتالي من تقديم نموذج للحكامة على صعيد المدن الكبرى قبل الانتخابات التشريعية لسنة 2012.
ورغم ذلك فإن عدد المدن التي يسيرها أعضاء «العدالة والتنمية» اليوم أكبر من أي وقت مضى، وعدد المستشارين المحليين يفوق بنسبة 50 بالمائة ما كان عليه خلال الانتخابات السابقة.

بشكل عام، ما حدث كان كافياً لإحباطهم لكنه لم يكن كافياً لإخراجهم من اللعبة السياسية. وأكبر متضرر من كل هذا هو التأييد الشعبي الذي يحظى به التحول الديمقراطي في المغرب، من جهة، ونسبة المشاركة في الانتخابات المقبلة، من جهة أخرى.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: