تحدي المخزن باللعب بالنار عند شباب يقتله الجوع /قراءة سيكولوجية لكيف تبددت المخاوف؟

0

ريحانة بريس – محمد عبيد

يُحكى في التاريخ المغربي أن السلطان المولى إسماعيل قد قتل ابنه وعلقه على أبواب مدينة مكناس في منظر يوحي عما تمثله السلطة في نفوس الملوك والسلاطين..

وأنه انطلاقا من هذا الموقف، ظلت صناعة الخوف في نفوس المغاربة، تتسع وأصبحت النفوس من الجزع والرهبة من التحدث في أي شيء حتى صارت للحيطان آذانا تسمع وترى.

صناعة الخوف في المغرب، قديمة جدا، قدم الدول التي تعاقبت على السلطة في المغرب.
فإن كانت صناعة الخوف صناعة من المخزن خوفا على النفس والمال والولد كما كان منذ ستينيات القرن الماضي، فإن هذا الهاجس “الخوف”، صار اليوم خوفا من عدم توفر الكفاءة في من تؤول إليهم أمور الناس، ومن تمة الخوف من المستقبل وعلى المستقبل.

إن المغاربة اليوم أصبحوا أكثر مما سبق يخشون من الجوع، ويخشون من التشرد، وهي مخاوف وإن اكتست لبوسا جديدا، إلا أنها ذات أصداء قديمة.

هنا تتدخل الرواية الشعبية، ويتسرب اللاوعي إلى المغاربة ليعيد سير الذين أبادهم الجوع في العهود الغابرة ويذكر سير الذين رددوا البيت الشعري القاسي:
**وعمت للكبير والصغير… ..وبعنا الفرش والبسط الغوالي..**
ولقد ظلت الساحة العمومية مجالا للتعبير عن التوترات بكل أشكالها، وأدركت السلطة أنها لا تملك، أو لم تعد تملك القدرة على التحكم في الإيقاع اليومي لنبض الشارع.
لكن الواقع أفرز أن كل مخاوف الناس يختزلها ويختزنها الشارع بمختلف تعبيرات الارتباك والتوتر والخوف من المستقبل.
مخاوف المغاربة تغيرت، وأصبحوا اليوم يخشون من فقدان الخبز والعيش الكريم.
وهكذا صرنا نستقيظ كل فجر يوم على حدث أغرب من سابقه، وكل يوم تنشر سواء عبر المنابر الورقية أوالمواقع الالكترونية أو على منصات التواصل الإجتماعي على ظهور بطل خارق، إما داخل أزقة الدروب التي أصبحت مرتعاً للمهلوسين الذين يقلقون راحة الساكنة بغوغائيتهم، أو الذين يشهرون الأسلحة في وجه المارة وسلبهم هواتفهم وما يملكون، وغالباً ما يكون هذا اعتراض السبيل مقروناً بالعنف والاعتداء المؤدي أحياناً إلى الموت..
هنا استعرض بعض النماذج التي أفرزت تحدي الخوف عند شبابنا اليوم، فبعد الوقائع المسجلة خلال ماي الأخير بمدينة الدار البيضاء، حين ظهر شاب بسلوك متهور وأرعن والذي أراد أن يحصل على “البوز” ويحقق أعلى مشاهدة في “الطوندونس” جاعلاً من نفسه التافهة سوبرمان المدينة، بعرقلة سير الترامواي إذ وضع طاولة وجلس وسط السكة يحتسي فنجان قهوة ويشرب سيجارته بكل هدوء وطمانينة غير مكترث بخطورة فعله.

ولم يقف هذا النموذج عند هذه الحالة فقط، بل ظهر بعده، وبأيام قليلة من نفس الشهر الماضي2021، ظهر شاب اخر يعترض الترامواي دون اكتراث للخطورة التي جسدها سلوكه الاكثر رعونة بامتداده على سكة الناقلة واعتراض سبيلها، وبشكل مغاير تماماً، حيث أنه ظهر مستلقياً بين قضبان السكة على ظهره، ويحمل بيده مصحفاً، وباليد الأخرى صورة الملك…

سلوكات اخرى أكثر رعونة وتشبع بعشق اللعب النار، والاستلذاذ بتهديد حياة المواطنين عرفتها بعض المدن خلال هذه الايام وسجلت مع نهاية شهر يوليوز وبداية الشهر الجاري (غشت2021) بكل من مكناس، وأكادير، وسلا، وبأولاد الطيب بإقليم فاس حيث عمد طوعا مجموعة من الشباب حاملي سيوف من نوع الساموراي خلقوا رعبا وهلعا في محلات وفضاءات عمومية ووسط شوارع بتجمعات سكنية بل تعدت السلوكات الى تكبيد بعض ممتلكات المواطنين الأبرياء ( تكسير زجاج سيارات) وتهديد المارة باطلا..
إنه شيء تجاوز كل الحدود، وأعلن عن ميلاد نوع من التسيب والاستهثار، وتحدي صريح لكل القيم الأخلاقية ولعزة الحياة، ضارباً عرض الحائط كل المؤسسات الأمنية.

وتطرح هذه النماذج تساؤلات بخصوص هذا النوع من التمرد!! أبرزها: هل هو احتجاج على أوضاع خاطئة من وجهة نظر المتمردين؟!أم أنها حالات تتعمد تمرير رسالة ما، من خلال هذا التصرفات الإعتباطية؟…

لا بد هنا من إبداء ملاحظة منهجية أعتبرها أساسية، وهي أنني لا أعرف أية دراسة ميدانية أو استمزاج للرأي تم بهذا الخصوص في بلادنا. وإذا كانت هناك دراسة أو دراسات قد تمت حول هواجس ومخاوف المغاربة، فأنا شخصيا لا علم لي بها.

أقول هذا الكلام لأن صفة الباحث التي نضفيها على أنفسنا ليست سلطة مطلقة نخرج بها على الناس ونفتي بها في أمورهم وشؤونهم بشكل عشوائي، بل أقصى ما يمكن أن يقوم به الباحث هو المساعدة على الفهم والتفسير التي لا تستقيم إلا بالحجة والدليل، وليس بمجرد الكلام أو بأي شيء آخر، ولذلك أعتبر أن كل ما أدونه في هذه المقالة، هو مجرد تخمينات تنطلق من رصد ذاتي، ومن الملاحظة المباشرة التي يمكن أن تكون نسبية وغير دقيقة، والتي يمكن أن أصححها أو أتراجع عنها إذا ثبتت لدي مغالاتها أو عدم صحتها، لكنني بالمقابل أعرف أن هناك استطلاعا هاما للرأي حول مواضيع مختلفة من بينها موضوع “المخاوف”، أنجزه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بالدوحة برسم سنة 2012-2013، وهو الذي يعرف باستطلاع المؤشر العربي للتنمية… هذا الاستطلاع الذي تم تنفيذه في 14دولة عربية من بينها المغرب، يهدف إلى الوقوف على اتجاهات الرأي العام العربي نحو مجموعة من الموضوعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بما في ذلك اتجاهات الرأي العام نحو قضايا الديمقراطية والمشاركة السياسية والمدنية.

ولم يعرف المغرب في تاريخه الحديث، أي منذ بداية القرن الماضي حالات انفلات أمني تختلط فيها الأوراق بالكامل، فيصير القتل والنهب والترويع والثأر عنوانا على عدم التحكم، واستئساد العشوائية.

ففي التجارب التي مر بها المغاربة في التاريخ، كان “المخزن” يشكل أهم مخاوفهم، ثم بدأت حدة هذا الخوف تقل وتخفت خاصة بعد وفاة جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله، وتولي جلالة الملك محمد السادس العرش من بعده، وتوسع هامش الحريات والديمقراطية.

كان المغاربة في السابق يخافون من بطش رجالات السلطة كيفما كانوا، ولكنهم أيضا كانوا يخافون من انعدام الأمن والأمان، ومن هجمات القبائل على بعضها البعض، ومن الأجانب، ومن الجفاف والأوبئة والجوع… الخ.
لكن يظهر اليوم أن بنية “المخاوف” تغيرت، وبدأت تتشكل من جديد في صور وتمظهرات مختلفة.
في الحقيقة إن مصادر الخوف هذه مازالت قائمة في جزء منها فقط، بحيث لم يعد الناس مثلا يخافون بشكل كبير من ممثلي “المخزن”، بل بدأ المغاربة يميزون بين “المخزن” الوحيد الذي تجسده المؤسسة الملكية، وبين موظفي “المخزن” الذين لا يمثلونه بالضرورة في سلوكياتهم.
كان المغاربة يهابون الملك الحسن الثاني، وأعتقد أنهم مروا بلحظة خوف وقلق حقيقية عند وفاته، لكن سرعان ما هدأت خواطرهم، واطمأنوا إلى الانتقال السلس للسلطة وإلى الإشارات القوية للعهد الجديد، ولا يظهر أن المغاربة ينتابهم اليوم أي قلق أو خوف من هذه الناحية.
لقد صار نوع من المخاوف الكبرى غير موجود في المغرب، فالاستقرار وضع منتج ومريح، خاصة انه يشكل الأمن للبلاد الذي هو ضرورة حيوية لحياة الشعوب.
وهنا ربما يجب القول إن الخوف في لحظات قوية من التاريخ يكون عامل إبداع وابتكار للحلول والمواقف، ذلك أن الناس -بصفة عامة- صاروا يخافون من المجهول ومن الغريب (كخوف بعضنا من المهاجرين جنوب الصحراء)، ويخافون أن يضطروا إلى تغيير نمط عيشهم وحياتهم بسرعة فجائية…
يُمكن اختزال مخاوف الإنسان بصفة عامة، سواء أكان مغربيا أو مواطنا في بلد آخر في نوعين اثنين: خوفه على حياته من اعتداءات الغير، وخوفه من الجوع بسبب ندرة أو عدم وجود ما يقتات به لضمان استمراره في العيش، مع ما يتبعهما طبعا من كرامة إنسانية وجودة في الحياة.
يُقال دائما الخوف أكبر من القتل، لأنه يعيش مع الإنسان ويجعله ذليلا، مهانا عكس القتل الذي يُنهي الحلقة بأقصى ما يمكن، شعب يعيش على ارتعاشة الخوف شعب مهان ولا يستحق الحياة.
تستفحل الحالة وما يرافقها من مواقف، حين بدأ العزوف عن السياسة وعدم الثقة في الساسة الذين خلقهم المخزن بمستودعات المخابرات ومقالبها ووزارة الداخلية وهياكلها التي لم يعرف المغاربة قرارا لها.
الفوضى واللا استقرار في العيش الكريم، شكٌَلا معا الخوف الموروث. فالمغاربة ككل الشعوب يخافون من الفوضى التي تزعزع الاستقرار العام، ولذلك نلاحظ أن المواطنين المغاربة أنفسهم يسارعون إلى نزع فتيل التشنج، عن التطرف في حالات الغليان الاجتماعي أو السياسي.
وتُفرِزُ الظاهرة الجديدة التي تحمل في طياتها الانتقام من الذات، بأن غالبية الشباب المغربي الذي بدأ يظهر هذه الأنواع من الاحتجاجات،(الحريگ، والفوضى بالشارع العام..) ينقصه التكوين والتأطير، ينقصه الوعي الإيجابي، فقط يريد الجاهز، ويحمل المسؤولية على وضعه المتردي للدولة، وكأن الدولة هي التي لم تبني له المدرسة ولم توظف له المعلم الذي يعلمه، وكأن الدولة هي التي علمته تعاطي السيجارة الأولى التي كانت بوابة إلى عالم الإدمان على كل أنواع المخدرات!
وبما أن طموح هذا الشباب بات محدوداً، إذ أصبح يحلم بالحصول على كل شيء دون أن يفعل شيئاً.. فهذه هي الطامة الكبرى.
شباب لم ينخرط في الجمعيات التي يجب أن تقوم بدور تصحيح المفاهيم المغلوطة، وأيضاً هو دور الأحزاب السياسية، التي همها هو الاستغلال الانتخابي، ثم هناك دور الأسرة وتأثيرها في تربية الأبناء.
وما شاهدناه في تصريحات أولائك القاصرين وتلك التفاهات التي تفوهوا بها حين كانوا يعتزمون اجتياز الحدود.. إلا خير نموذج لحصول هذه الشوائب.
لو تربوا على المواطنة الحقة، وحب الوطن كما كانت الأجيال السابقة، ما كان يحدث هذا التسيب الآن، والذي قد يؤدي إلى انفلات إن لم ندق جرس الخطر.
إن ما يحصل الآن من مشاهد هو تجسيد لسوسيولوجيا كتعبير عن مظاهر القهر، وتأشر لرمزية عرقلة مسار تنمية تركتهم على الهامش.
ولنستخلص بأن هذه الظاهرة الجديدة هي نتاج انحسار المشاركة السياسية وتفاقم التصدعات والشروخ على مستوى القاع المجتمعي، وأيضاً المتعلقة بالخارطة الجيوسياسية للدولة، وتردي الأوضاع المعيشية، وتباطؤ حركة العجلة الاقتصادية (باستثناء استثمارات زعماء الأحزاب وتجارها)، وعدم تخلي السلطة عن نهجها الأحادي، وبشكل خاص على مستوى السياسية والاقتصاد، كل ذلك يفاقم من عدم الاستقرار المجتمعي، ومن صعوبة الخروج من الأوضاع الراهنة.
ما أفضى إلى تفاقم البطالة، واتساع دوائر فقدان الأمل في الحياة…
إن الإفقار والتهميش أسّسا لافتقاد شروط الحياة الكريمة، وخاصة مع تفاقم مظاهر انعدام استقرار الأوضاع الاجتماعية، وانسداد الآفاق المستقبلية وازدياد غموضها وضبابيتها، وإن اقتضى الحال خوض مغامرة الانتقام من الذات بأية وسيلة.
إننا صرنا نصادف بيننا الكثير من الشباب المغبون ومن خلال مشهد مخزٍ ومحزن، بتكراره أصبح يُعلن على أن أغلب شبابنا يعانون في صمت، لا عمل.. لا مال.. لا زواج.. شباب يبتسم بألم .. فإلى أين؟

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: