عن النمو الديموغرافي لخنازير المملكة المغربية نتحدث؟

0

         كما تهتم دولتنا بتعداد السكان، بحيث إنها تنظم لهذه الغاية عملية إحصائية من فترة إلى أخرى لأهداف تسفر عنها كمعطيات دقيقة، قلما تتسرب إليها بعض

         كما تهتم دولتنا بتعداد السكان، بحيث إنها تنظم لهذه الغاية عملية إحصائية من فترة إلى أخرى لأهداف تسفر عنها كمعطيات دقيقة، قلما تتسرب إليها بعض الشكوك، أو قلما تغلب عليها الأخطاء إلى الحد الذي يبعدها عن الدقة اللازمة.

         فقد شاركت في الإحصاء مطلع الثمانينيات من القرن الميلادي الذي ولى. وكان من حسن حظي أو من سوئه، أن أديت واجبي في منطقة سكنية هامشية بضواحي سلا القديمة، تقع إلى  الشمال من “واد الخانز” الذي عرف لاحقا باسم “وادي الذهب”. ثم استقر اسمه أخيرا على “الواد”، بعيدا عن ذمه إلى حد يتجاوز عنده المعقول! وبعيدا عن امتداحه إلى حد يتجاوز عنده حاله وحال أهله!

         وما وراء “الواد” في الشمال كان حينها هو “الدار الحمراء”. لكن المقصود بمجال الإحصاء الذي توليت فيه رئاسة الفريق المكلف بإجرائه، هو حي قزديري، يقع في وسط مقلع للأحجار، تم التوقف عن اعتماده لقلعها حيث اتسعت دائرته، إلى حد أن القادم في اتجاهه لن يراه من بعيد لأنه هو وساكنوه في حفرة أو في شبه حفرة! وعندما يضع رجليه بين مساكنه المرتبطة بعضها مع بعض، لتمثل جسدا واحدا ينقصه الانسجام من حيث مواد البناء والصباغة، والدروب، ومجاري المياة العادمة، والأوساخ، والذباب وأنواع الحشرات –  مما يذكر بحظائر الخنازير الأليفة – يكاد يصاب بالتقزز. خاصة متى قدم من أحياء راقية في مدينة الرباط، أو حتى من أحياء عصرية متميزة ببنائها وبمواقعها عن البناء الهامشي الذي يأوي المهاجرين من المواطنين القادمين من مختلف البوادي القريبة والنائية. بحيث إنهم يبحثون لا شك عن لقمة عيش، حتى ولو كانت ممزوجة بالدموع والآلام! وحتى إذا ما عادوا في يوم من الأيام إلى ذويهم للزيارة أو لصلة الرحم، ادعوا بأنهم يسكنون بالرباط! والذي هو في الحقيقة رباط كمنطلق للبحث عن الرزق الذي يتم الحصول عليه بأية طريقة ممكنة!

         فإن تم إحصاء السكان، الذين تحرك فيهم الأسئلة ما تحركه من تطلعات، ومن مطامح نقرأها من قسمات وجوههم، فإن إجاباتهم مصحوبة بأمل في غد أفضل. خاصة متى سئلوا عن نوع العمل الذي يمارسونه، وعن عدد الأولاد، وعما لديهم من ممتلكات، وعن عمل الزوجة والأبناء، إن كان من ضمنهم عاملون مياومون أو رسميون مستقرون في عمل بعينه. حتى إن بعضهم يلجأ إلى الكذب، معتقدا بأن أبواب ضخ الأرزاق بالجملة سوف تفتح في وجوههم، ما دام المخزن في نهاية المطاف قد التفت إلى وجودهم كمناضلين من أجل الرغيف، لا كمواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات.

         ونحن يومها حصلنا ربما على ما لم يحصل عليه المعينون للقيام بإحصاء الخنازير في المغرب المعاصر! فالأكل المتوفر لدى من يجري إحصاؤهم يغنينا عن الغذاء الذي يلزم أن نحمله معنا كما اعتقدنا في أول يوم لنا، والبركة في رجال الحكومة الذين يعرفون سبل فرض احترام المخزن وتحقيق رغباته بكيفيات، تعودوا عليها كموروث، يعود على ما يبدو لقرون خلت، فالشيخ الذي يرافقنا كقائد لقافلتنا، يعرف كيف يهيء لنا الغذاء عند هذا المواطن أو عند ذاك. مرة يكون من نصيبنا تناول نوعين منه. ومرة يكون من نصيبنا تناول نوع واحد. وبما أن الشيخ من حملة القرآن، أو على الأقل من حملة بعضه. فقد لجأ إلى استخدام لغزين   لإخبارنا بوجود غذاء واحد، أو بوجود غذاءين قبل تناولهما حيث يقول لنا – وهو باد عليه الرضى والسرور-: “إلهين اثنين”! يعني أن غذاءين في انتظارنا! ويقول لنا – وعدم الرضى والسرور تترجم عنهما قسمات وجهه –: “إنما هو إله واحد” وذلك لأن إخبارنا بواقع ما هو حاصل لا محالة، يجعلنا نأخذ الاحتياط اللازم متى كان هناك غذاءان. وإلا ملأنا بطوننا بالغذاء الأول، بحيث يصبح صعبا علينا إشباع نهمنا إلى الثاني!

         أما إحصاء الخنازير فإننا لا نعرف طقوسه. وقبلها لا نعرف متى يتم الإعلان عنه؟ ومتى تم الإعلان عنه، فهل لنفس غاية إحصاء سكان المغرب؟ أم لغاية أخرى من جملتها توسيع دائرة الخنازير كي تغطي كافة أرجاء المملكة الشريفة؟ بغض النظر عما لها من مطالب كانت ولا تزال تتقدم بها إلى وزارة الفلاحة، أو إلى إدارة المياه والغابات! خاصة وأن أي اعتداء يقع عليها، إنما يتحمل الغابويون عبر التراب الوطني من طنجة إلى الكويرة مسؤوليته؟ فخطر الموت قصدا أو بدونه يتهدد خنازير المملكة من حين لآخر! وأتذكر هنا أنني في طريقي ليلا إلى مدينة أكادير منذ ما يقرب من أربعة عقود، كان أن فاجأني خنزير ضخم بالغابة المحادية للصويرة إلى الجنوب، بحيث إنني كدت أصدمه بالسيارة لولا لطفه

عز وجل! أو هو الذي كان سيضع حدا لحياتي لولا حضور القدر الذي أبعده عني، وإلا لكنت ضحية خنزير تائه لا يعرف قانون السير ولا يلتفت إلى الأضواء! إن لم يكن ضحيتي! مع افتراض احتمال ثالث هو أن نكون سويا ضحايا لبعضنا البعض!!!

         ومن تلك الحادثة يتضح لي أن الخنازير لا توجد فقط بضواحي الصويرة، وإنما لها وجود مكثف كما قيل لي في مناطق غيرها كغابات مدينة أكادير إلى الشرق، بصرف النظر عن خنازير تتحرك بحرية على خريطة بلدنا برمتها! فصح أنها – مقارنة مع الإنسان المغربي – تعيش بحرية شبه مطلقة! مع غيرة الدولة عليها غيرة لا تقارن بغيرتها على المواطن الذي يصعب عليه التنفس حتى الآن في أجواء من الحرية الصافية! ربما خوفا من تحول بعض المواطنين أو أغلبهم إلى خنازير، بحيث يستغلون حريتهم للتطاول على ما لا ينبغي عليهم التطاول عليه!

         فإن صح أن الخنازير من ضمن الحيوانات التي لا تغير على أنثاها، فإنه يخشى أن يصبح المواطن الحر مثلها فيفتح باب بيته – وهو ذو حرمة أخلاقية ودينية وقانونية – أمام كل طارق ما دامت النساء يملكن كامل الحرية للتصرف في أجسادهن كما يحلو لهن! وكما أملت علينا الأخلاق الكونية المجمع دوليا عليها! وعندها لا حق للرجل – من باب المساواة – في محاسبة زوجته وبناته على اختيارهن! لكن دولتنا – وحكومة الملتحين تقود سفينتها في الوقت الراهن – لا ترى ضرورة وضع حد للخنازير البرية الفاسدة والمفسدة! وإنما تسعى إلى تعميم “الخنزرة” لوجود دواع أممية لتعميمها، وإلا اتهمت بكونها تجاوزت ما رسمه القيمون على القيم الكونية المشار إليها. والتي انعقد حولها الإجماع دفاعا عن الإنسانية، وحماية لها من مخاطر الاعتداء على اختياراتها! وفي طليعتها اختياراتها الجنسية التي ينبغي أن لا يطالها طائل! ما دام توفير هذه الحرية كوجه من وجوه الليبرالية العاهرة من السهولة بمكان!

         يكفي أننا على عهد الاستعمار نشاهد انتشار المواخير علنا في جل المدن المغربية! بل أصبحت المواخير عبارة عن مشاريع اقتصادية مدرة لأرباح طائلة! ولنذكر من يحتاجون إلى التذكير بأن الباشا الكلاوي صاحب مراكش والضواحي، كان يملك مواخير عددها غير متأت لنا حصره. وهو ما يلزم أن تخشاه الدولة والخنازير عندنا محرومة من مسمى الغيرة! وفي الوقت ذاته، تركنا لها حريتها الكاملة لتترك هي إناثها عرضة للممارسة الجنسية الخالية من الحب بمفهومه العذري، لا بمفهومه الفاحش الذي امتدحه أكثر من شاعر عربي في الجاهلية وفي العصر الحاضر بالذات!

         إن الفساد إذن مرتبط بالخنازير، والدولة يهمها – والإسلاميون يتولون بعض زمام أمورها صوريا – تدعي التعرض للفساد والمفسدين بأي ثمن. يعني أن الفساد المشترك بين المسؤولين الحكوميين والخنازير البرية، لا بد من مواجهته، لأنه ضرب للعدالة وللحق المبين في الصميم. ومن الحق الذي تجب حمايته، كف الأذى عن المظلومين، والضرب بالأيدي على الظالمين، وإلا تجاوزت الخنازير حدود الحرية التي منحت لها لتزداد عتوا في الأرض بدون ما مراقبة صارمة. غير أن حميد شباط الاستقلالي، يصرح بأن بنكيران يحارب القدرة الشرائية للمواطنين بدل محاربته للفساد المستشري!

         وإذا قلنا لحكامنا، وللمسؤولين المباشرين عن مياهنا وغاباتنا: إن الخنازير سوف تهدد العاصمة المغربية في القريب العاجل، لاستغربوا مما ندعيه! غير أن الحقيقة الواقعية هي التي قلناها ونقولها بدون ما لف وبدون ما دوران! وإلا فعليهم الاتصال المباشر بسكان الولجة سلا – الرباط على ضفتي نهر أبي رقراق. فإنهم سوف يسمعون منهم ما لا يرضي كل ذي عقل، وكل ذي دين، وكل ذي حس سياسي ملتزم! إنه اعتداء سافر على مزروعات الفلاحين بكل ما يحمله الاعتداء من دلالات. وفي الليل – حتى قبل نزول العتمة – تخرج الخنازير لقطع كيلومترات في كل اتجاه، لتفسد كل ما تجده أمامها كقوت تقتاته أو تقتات به ومنه! والمعتدى عليهم من طرفها نعرف منهم واحدا بعد آخر. إننا نقابلهم تقريبا كل يوم. ونسألهم عن مصير ما يزرعونه. وعن مصير الذرة في هذه الأيام التي تدرك فيها النضج!

         ففلاح من جيراني بالمنطقة يزرع الذرة مع حلول فصل الربيع، ثم تخلى عن زرعها مخافة تعرضها لهجمات خنزيرية لا ترحم! بل ونزيد ونؤكد بأننا – ونحن الآن من سكان البادية – طالما سمعنا في عز الليل خربشة الخنازير وخشخشتها وهي تقضم الذرة وأنفاسها المتصاعدة تتوالى، وكأنها تمارس نوعا من الرياضة يقتضي بدل جهد يحمل صاحبه على التعبير عنه، وذلك بإطلاق ما يشبه زفرات لا إرادية، وكأن مطلقها مغلوب على أمره.

         وأغرب ما سمعته من فلاح صديق هو أنه حرص أشد الحرص على حماية عشر يقطينات من خطر الخنزير. وهي يقطينات يبلغ وزن كل واحدة منها تقريبا    خمسة عشر كيلوغراما، ومع أنه يستيقظ لمرات عدة في وسط الليل البهيم، فإنه وجد ذات صباح نصف يقطيناته قد أتت عليها الخنازير بالرغم من وجود كلاب تنبح طوال الليل، كلما وصلت إلى حيث توجد مزروعات بعينها، وبقية يقطيناته معرضة للهجوم الخنزيري إلى أن بقيت منها واحدة، فكان أن غطاها بما يحول دونها والتهامها من طرف خنزير جائع! ولما حضر الخنزير ودخل في عراك مسموع مع الغطاء الذي هو عبارة عن كيس بلاستيكي، استيقظ صاحبي ليدرك الخنزير حيث هو يحاول تناول وجبته، فكان أن فر في وجهه بعد حين من صياحه عليه، فقرر أن يقطف تلك اليقطينة الوحيدة المتبقية حتى يستطيع أن ينام مطمئنا هادئا. فتحقق له ما أراده!

         ونذكر أن الساكنة في المنطقة أعياهم طرق أبواب المسؤولين، عساهم يضعون حدا لسطوة الخنازير على مزروعاتهم التي عليها اعتمادهم لضمان استقرار أوضاعهم المادية. وأن بذل أي جهد عضلي من الفلاحين لزرع ما ينتظر غلاله أصبح مجرد هباء كما يقال! مما اضطر البعض منهم إلى البحث عن عمل آخر غير العمل الفلاحي لتحصيل الرزق من جهة، وللمساهمة في إعالة الأسرة من جهة ثانية. ونعتقد أن إحداث سلا الجديدة على خريطة المنطقة، فتح أكثر من باب لساكنتها للعمل في البناء من ناحية، ولبيع الخضر والفواكه والحليب ومشتقاته وما إليها من منتوجات فلاحية محلية بعيدة عن أعين الخنازير المتوحشة من ناحية ثانية.

         لكن ضواحي سلا على ضفتي نهر أبي رقراق، ليست وحدها مرتعا للخنازير. فقد شاهد المشاهدون تلك الحملة الطارئة التي قدمتها القناة التلفزية الرياضية لملاحقتها في سوس، خاصة في منطقة هوارة وما وراءها، حتى يتم قتل أعداد محددة منها كما شاهدنا وعلمنا وسمعنا. يكفي أن يوصى المساهمون في الحملة بعدم قتل صغار الخنازير مع والدتهم حتى لا يتم القضاء كليا عليها! وكأن الفساد بمختلف الأنواع التي تحدثها لا ينبغي أن يقضى عليه إلى حد اجتثاته من جذوره! إذ العمى – كما يقال – أشد خطرا من العمش! يعني أن ضعف البصر مع سيلان الدمع في أكثر الأحوال أحسن من فقده بالكلية! فبدلا من إقدام الخنازير على إفساد خمس ضيعات في منطقة ما من مناطق تواجدها، أفضل منه إفساد ضيعتين في نفس المنطقة. وتحمل ما يحصل لأصحابها يقع على عاتقهم كمساهمين في حماية مخلوق بري له مثلهم حق الحماية كمواطن!!!

         بينما العدل يقتضي – في نظرنا – إحداث محمية للخنازير، بحيث إنها لن تتجاوز حدودها، دون أن نسأل عما وراء حمايتها من فوائد؟ وللدولة عندها أن تزرع لها ما تقتات به، مع العلم بأن ما سوف تقتاته، لن يؤدى ثمنه إلا من أموال الشعب! وحل آخر عادل هو أن تتولى الدولة تعويض الفلاحين المعتدى عليهم من طرف وحش لا نظن أن من وراء حمايته مردودية اقتصادية محددة! وحل ثالث اقترحه فلاح غير بعيد عن منابع وادي ماسة، هو أن تتولى الدولة تزويد المتضررين بسياج يسيجون به حقولهم. خاصة وأن بعضا منهم أتى من آيت باعمران بأطنان من الصبار، وزرعها وآتت أكلها، لكن الخنازير أفسدتها تماما كما تفسد بقية المزروعات، وخاصة منها الخضر!

         وقد قيل لي: إن بعض شباب منطقة الدواوير التي يتضرر سكانها من إتلاف الخنازير لمزروعاتهم، يلجأون تحت جنح الظلام إلى قتل بعضها لإقامة الولائم التي لا تكون ممتعة إلا بوجود صهباء معتقة رخيصة، وإلا ما اكتملت المتعة ولا تمت السهرات! بغض النظر عن كون الخنزير من المحرمات العشر! إلا أن أكله مستساغ من باب الانتقام أولا. ومن باب تحقيق نوع من التوازن ثانيا. إنه يأكل الحرام، ونحن نأكله كحرام كما قيل لي! وهذا المنطق الشعبي العفوي هل تقبله حكومة الشيخ عبد الإله بنكيران وفريقه الحكومي المهتم بالفساد والمفسدين؟؟؟

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: