الدحمني: كتاب يعيشون داخل أكواريوم نرجسي ويرفضون الخوض في النقاش العمومي (حوار)

0
  • ريحانة برس- حوار

حاوره حفيظ زرزان.

الروائي والناقد المغربي عبد القادر الدحمني

بطاقة تقديمية للضيف:

-كاتب روائي وباحث في السرديات

-دكتوراه الآداب من جامعة محمد الخامس – الرباط.

-عضو مؤسس للراصد الوطني للنشر والقراءة وعضو مكتبه الوطني سابقا.

-الأعمال:

– رواية “عطش الليل” عن دار النشر المغربية بالدار البيضاء، سنة 2009.

– رواية “أحزان حُمّان” عن دار الوطن بالرباط، سنة 2012.

– رواية “معزوفة لرقصة حمراء” عن منشورات رونق، بدعم من وزارة الثقافة، سنة 2016.

– عشرات المقالات العلمية المحكمة والعامّة في المجلات والجرائد، وكذا المنابر الإلكترونية داخل المغرب وخارجه.

الحوار:

– ما تقييمك لحالة الأدب بالمغرب؟
يمكن القول في غير قليل من الثقة، إن الأدب المغربي اليوم بخير، وإن كنت لا أزعم أن هذا حكم سيقبله الجميع، لكنّه ما أراه صائبا لعدة أسباب، فهناك تطور إبداعي كمّي ونوعي لا يمكن التغافل عنه، وهناك حركة إبداعية حيوية، وإن كانت لم تنضج بشكل كافٍ بعد، تحاول العودة إلى الاعتزاز بالذات وتقديرها، وتجاوز عقدة النقص، وتخطّي ورطة التبعية للمشرق. وبدأ الكتاب الأدبي المغربي، سواء كان ديوانا أو قصة أو رواية أو نقدا أو غيره، يحوز اعترافا عربيا ودوليا كبيرا، وصار من الممكن القول بأن لدينا كُتَّابًا على درجة عالية من الحرفة والإبداعية، محمّلين بالأبعاد الإنسانية إلى جانب انغراسهم في تربتهم الثقافية واعتزازهم بوجدانهم الهوياتي.
لكن الارتكان لهذا الفرح والاعتزاز من غير تقويم المسار والوقوف على مكامن الخلل، والتقليب الدائم للنظر، ليس من الرشد والحكمة في شيء. ولذلك، لا بد من الإشارة إلى ما يعتري جسمنا الثقافي عموما من أعطاب، وإلى كل الأمراض والاعتلالات التي ما زالت تسري في أوصال أدبنا، ولا بأس من الحديث هنا عن ضعف الحركة النقدية بإزاء ما يصدر من إبداع، لا على مستوى التخلُّف عن مواكبة وتيرة الإصدارات الإبداعية فقط، بل أيضا عن غلبة سطحية التناول أحيانا، وسيادة النقد المجاملاتي.
ولا يمكن أبدا القفز على مسألة ضعف بنية النشر والتوزيع، رغم التطور الحاصل على مستوى جودة النشر وجهود بعض دور النشر مشكورة، كما يمكن تسجيل غياب سياسة متكاملة لتشجيع القراءة وتداول الكتاب المغربي، وضعف احتضان الكتاب الشباب، إضافة إلى غياب دمقرطة الفعل الثقافي، وهو ما يظهر في تهميش عدد كبير من الأدباء على مستوى برامج المؤسسات وأنشطتها السنوية، وعلى مستوى الإعلام الثقافي الرسمي كذلك.
– ما هي رؤيتك لتطوير الأدب المغربي؟
أعتقد أن تطور أدب شعب من الشعوب خاضع لأسباب متعددة، ليست بالضرورة كلها ذات طبيعة أدبية، فالمسألة تتعلق بمدى وجود نهضة اجتماعية عامة، وبوجود إرادة جماعية تعبر عن نفسها من خلال الأدب، ثم بحجم جهود المشتغلين في المجال، رغم أن ما يميز حقلنا الثقافي هو الغياب التام لشيء اسمه التفرغ للكتابة، ولذلك تخضع بعض الطّفرات في الميدان أساسا، لإرادة كتاب يقاومون الظروف ويتحدّون كل أسباب الصمت والانسحاب. ولذلك يتطلب الأمر ثلاث إرادات حسب رأيي، الأولى متعلقة بمدى وعي المجتمع بأهمية الأدب في بناء الذات وصيانة القيم والحفاظ على الهوية وتحيين التموقع في العالم، وبالتالي فإنه يسعى انطلاقا من هذا الوعي إلى احتضان الكتاب ودعمهم وتقدير أعمالهم عبر القراءة والتفاعل والتشجيع، أما الإرادة الثانية، فهي متعلقة بالكُتّاب أنفسهم، ومدى اجتهادهم في تطوير أنفسهم وإنتاجهم الإبداعي، على مستوى الجودة والعمق والاشتباك بقضايا المجتمع وأسئلته المختلفة، وامتلاك روح الإبداع الحقيقة التي تصمد رغم كل العقبات، وتنتصر مهما طال الزمن، وأما الإرداة الثالثة، فهي إرادة سياسية تتحمل مسؤوليتها الدولة، من حيث مراعاة السؤال الثقافي في استراتيجيات التنمية، ومن حيث القيمة المعطاة للكتاب والكُتّاب في السياسة العمومية تخطيطا وتدبيرا.
مستقبل الأدب في خدمة الرسالية وقضايا المجتمع والإنسان؟
لا يمكن للأدب مهما بدا أنّه يحلّق بعيدا، إلا أن يكون رفيقا للإنسان في رحلته الأرضية هاته، معبرا عن آلامه ولواعجه وأحزانه وتطلعاته وأحلامه وهواجسه…، وحتى لو سعى الأدب نفسه إلى التبرُّؤ من كونه مجرّد انعكاس للواقع، فإنه وبطريقة ماكرة، يُعَدُّ جوابا عن هذا الواقع، أي أنه انعكاس له بطريقة أخرى، يطرح فيه نفسَه أحيانا واقعا بديلا أو موازيا، وأحيانا أخرى يقترب من ذلك الواقع ليكتسب مشروعيته قبل أن يحلّق في طوباويته الخاصة، والتي تُعَدُّ تقويضا لسلطة الواقع المرجعي، وتعبيرا عن إرادة إنسانية في تطويع الواقع والتحكم في مساراته، ومنازعة سطوته من أجل فرض اشتراطات إنسانية، تعبر عن الإرادة الحرة، والتطلعات البشرية المشروعة، وتعبر أولا وقبل كل شيء عن سؤال الوعي بالوجود وحيرته، ومعناه ومآلاته، محاولَةً للفهم، وتشييدًا لِسُبُلِ التَّمَثُّلِ والعمل، ومحاوَرَةً لتطلُّعات الروح وأسئلة المصير كذلك.
علاقة الأدب والسياسة، استقلال أم تبعية؟ وهل يمكن أن تكون للأديب مواقف سياسية من واقعه؟
دوما كان هذا السؤال مطروحا بقوة، ليس فقط من بابه المباشر: أي علاقة المثقف بالسلطة، وهو السؤال الذي تم قتله بحثا ودراسة وتنظيرا ونقاشا، ولم يتوقف طرحه في يوم من الأيام، وإنما، من زاوية كون الأديب مواطنا أيضا، يسري عليه ما يسري على سائر المواطنين بخصوص علاقتهم بالسياسة، ولذلك من البداهة التامة، أن يكون لأي مبدع موقف سياسي، سواء عبّر عنه أم كتمه، وسواء سعى لأجرأته بالانخراط في أحد التنظيمات السياسية أم ظل في حدود التعاطف البعيد، غير أنّه لا يبتعد عن كونه مواطنا يحمل آراءً في السياسة، ويتخذ مواقِفَ منها بالضرورة.
صحيح أن هناك صورتان مفارقتان في ساحتنا الثقافية الآن، فحتى لو انحاز أغلب المثقفين لمفهوم المثقف العضوي الذي طرحه وجسّده سلوكا سياسيا أنطونيو غرامشي، فإن واقع الحال ينبيك أن الحقيقة أن المثقف والكاتب المغربي والعربي، في الأغلب الأعم، صار كأنه يعيش داخل أكواريوم تاريخي، يناجي فيه نرجسيته، ويداعب خياله في نوستالجيا مزمنة توقّف معها التاريخ في زعمه، يوم فشلت طروحات هواه الإيديولوجي. ولذلك فإنك ترى بعضهم يتحاشى الخوض في النقاش العمومي، كما يتحاشى الوَرِعُ الذنوب، إما مخافة ذهاب حظوة أو حرصا على استمرار مكسب، أو نأيا مرضيا عن قضايا “الرعاع”، وتطاولا معرفيا متعجرفا يترفّع عن مقام الاهتمام بآلام الناس. ولعلك لن تعدم الأمثلة الشنيعة التي تجعل أحدهم يكتب عن تفاصيل تشبه المتاهة في تحولات فكر أحد النقاد المابعد بعد حداثي، في الوقت الذي يضرب فيه الصحفيون عن الطعام إلى تخوم الموت في سجون بلده، وفي الوقت الذي ينتحر فيه الناس جوعا أمامه، ويخوضون أهوال البحر بلا قوارب، بحثا عن أمل. إن سكان شرنقة الترفّع والانقطاع عن الواقع، هم من بين زمرة الوباء الثقافي الذي ينبغي القطع معه، ولا أتحدث هنا عن المتخصصين النبلاء الذي يعطون لكل ذي حق حقه، ولكل وقت كلمته وموقفه، ولكن عن الطحالب العالقة بالجسم الثقافي بلا فائدة، وعن عشاق الأبراج البعيدة الذين يعيشون عزلة شعورية تفصل بينهم وبين آلام وآمال شعوبهم.
إنني هنا لا أدعو المثقف إلى الانخراط النضالي الميداني اليومي، وأنّى له، لأنه أمر متعذّر في كثير من الأحيان، ولكن إلى أن ينتمي لهذا البلد، ويسهم في التعبير عن أحلامه أو كوابيسه. فإذا كنا فعلا نحتاج إلى المثقف الذي يقف في مقدمة الفعاليات النضالية، ويتواضع لِيَعْرَكَ الميدان عن قرب، فإننا واعين بمقام المثقف الذي لا ينبغي أن ينهمك في الواجبات النضالية اليومية ويترك ثغرته التي يُستَأمَنُ عليها، وهي وظيفة الإضاءة والترشيد، وشحذ الوعي، وتقويم المسار، ومحاربة تكلّس الفكر والقطيعية، ونقد الفرعونية في مراحل نموها الأولى، وهي كلها مقومات فكرية تتطلب قدرا من الابتعاد النفسي عن دوامة الأحداث في دورانها اليومي الهادر، من أجل امتلاك القدرة على النظر الاستراتيجي، الذي يتطلب وعيا شموليا نَسَقيًّا. فبين إرادة المخالطة الواجبة، دَعْمًا ومواساةً وإعطاءً للقدوة، وبين القدرة على الارتفاع عن الأحداث، والاحتفاظ بمسافة ضرورية معها، من أجل تأمّلها وحسن قراءتها بعيدا عن سطوة تأثيرها، وبين التجنُّد “العضوي” كما يقترحه غرامشي، وبين النظر من أعلى كما يتطلب ذلك الوعي الحقيقي، يلزم نوع من الموازنة والحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا.
وعودة إلى علاقة الأدب بالإيديولوجيا بشكل عام، يجب التأكيد بداهة على أن ما من أدب خارج الإيديولوجيا، فليس لأحد أن يدّعي ذلك إلا أن يكون جاهلا أو كذّابا أَشِرًا، لكن التمظهر الإيديولوجي في الأدب يختلف من كاتب إلى آخر، من حيث تيمات الكتابة وزوايا النظر وعمق المعالجة، وكل ذلك محمود ولا شنآنَ هناك بخصوصه، لكن المعيب فنيا وأدبيا، هو أن تتحول الأعمال الإبداعية إلى بيانات حزبية مباشرة، أو منابر خطابية لتصفية الحسابات، فذلك يسقطها فنيا وأدبيا قبل كل شيء، ولذلك ما فتئت أقول: على الأدب أن يكون أدبا أولا، بنية ولغة وإبداعا، ثم له بعد ذلك أن يناور ويحاور، لكنّ قيمته الجمالية والإبداعية لا تكمن في عرض الأفكار واستعراض المعرفة فقط، وإنما في عجن كل ذلك وتشكيل تلك التحفة الفنية المطلوبة التي تجمع بين المتعة المعرفية والاستفزاز الفكري والتشويق الفني والجمالية اللغوية البيانية، إن السحر يكمن في الخلطة ومقاديرها، وأحيانا في “نكهة” اليد و”بركتها” كما يقول أهل الطبخ، وهو ما يرتبط بشخصية الكاتب وقدرته على صناعة الإبهار ،وتحقيق الفرادة، وبلوغ التميز، وقوة النفاذ، وذكاء الاكتشاف..، وهي مقومات يتداخل فيها حجم الدربة والتكوين، وعمق القراءة والاطلاع، مع امتلاك الموهبة، وحرفة قراءة الألم الخاص، وقوّة التخييل، ودرجة امتلاك اللغة وتطويعها.
– هل من أعمال قادمة؟
هناك رواية قادمة أرجو أن تشكل منعطفا في مسيرتي السردية، وهناك مشاريع نقدية على الأبواب كذلك، نرجو أن يتيسّر إخراجها إن نَسَأَ المولى الكريم في العمر وبارك في الوقت والجهد.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: