حين يشتدّ غبار “التنقية الرقمية” بين مطرقة التفاهة وسندان الحريّات

  • الكاتب : سيداتي بيدا
  • بتاريخ : 6 ديسمبر، 2025 - 14:12
  • الزيارات : 252
  • ريحانة برس 

    تشهد عدد من المدن المغربية في الأسابيع الأخيرة حالة غليان رقمي انعكست مباشرة على أرض الواقع، بعد سلسلة توقيفات ومتابعات قضائية طالت عدداً من صنّاع المحتوى على منصّات التواصل الاجتماعي. هذه الموجة رافقتها حملة مثيرة للجدل تقودها الحقوقية المغربية سميرة البقالي، التي تبنّت عبر جمعيتها إيداع شكايات رسمية ضد بعض “التكتوكرز”، معتبرة أنّ ما ينشرونه يندرج ضمن خانة الإساءة والابتذال والمساس بالقوانين، وأن الهدف هو “تنقية الفضاء الرقمي” مما تصفه بالتفاهة والاستغلال.

    غير أنّ هذه الحملة، التي اتّخذت طابعاً صدامياً داخل المشهد الرقمي، خلّفت انقساماً واضحاً بين فئات واسعة من الرأي العام. فهناك من يرى في تحرّك البقالي خطوة “تصحيحية” لحماية الذوق العام وصون صورة المجتمع من موجات الانحطاط الإلكتروني، معتبرين أنّ منصّات التواصل تحوّلت إلى فضاء منفلت يستدعي تدخلاً صارماً يردع كل من جعل من التفاهة رأس مال ومصدراً للمتابعة الجماهيرية.

    في المقابل، ترتفع أصوات أخرى بشدّة، ناقدةً ما تصفه بـ“الاندفاع نحو العقاب” وتذكّر بأنّ دور الناشط الحقوقي لا يكون بالدفع نحو السجن أو تقييد التعبير، بل بالدفاع عن حرية الرأي وتوسيع هامشها. ويخشى هؤلاء أن تتحوّل هذه الحملة إلى ذريعة لتصفية حسابات شخصية أو سياسية، أو إلى باب خلفي يحدّ من التنوع التعبيري، في مجتمع تتشابك فيه الحساسيات والقيم والميولات.

    ومهما يكن الموقف، فإنّ ما يجري اليوم يكشف مرّة أخرى هشاشة المشهد الرقمي في المغرب، وافتقاده إلى قواعد واضحة تُوازن بين حقوق الأفراد وضرورات حماية الفضاء العمومي. فبين محتوى متدنٍّ يسيء إلى الذائقة العامة، ومساعٍ حازمة لإيقافه، تبقى الحاجة ماسّة لميثاق وطني يضع الحدود ويصون الحقوق، دون أن يتحوّل إلى أداة للمنع أو سيف مسلّط على رقاب المختلفين.

    إنّ واجب الوقت ليس شيطنة صانع محتوى مهما كان أسلوبه، ولا تخوين ناشط حقوقي مهما كانت قناعاته، بل بناء فضاء رقمي راقٍ، يليق بالمجتمع ويصون حرياته. فالتنقية الحقيقية لا تأتي بالعقاب وحده، بل بالارتقاء بالوعي، وتشجيع المحتوى المسؤول، وإرساء قوانين واضحة تُطبّق بإنصاف بعيداً عن الانفعال أو الانتقائية.

    بين مطرقة التفاهة وسندان التضييق، يقف المغرب اليوم عند مفترق طرق: إما أن يبني فضاءً رقمياً نبيلاً، أو يترك السجال ينتصر على المبدأ.