حينما يضحك أمناء الأحزاب السياسية برقصاتهم وشطحاتهم على آلام وهموم الشعب المغربي
عبد الوفي العلام/ ريحانة برس
ظاهرة مشاركة زعماء الأحزاب السياسية بالمغرب في أداء رقصات شعبية وفولكلورية مثل أحيدوس، الركادة، والدقة المراكشية خلال التجمعات والمهرجانات الانتخابية تعكس تحولاً ملموساً في أدوات التسويق السياسي والتواصل مع الشارع.
يمكن تحليل هذه الظاهرة من زوايا متعددة تجمع بين البعد الثقافي والاستراتيجية التواصلية والنقد السياسي:
أولا، كسر الصورة النمطية والاقتراب من النسيج الهوياتي، حيث تُظهير المشاركة في الفولكلور المحلي كنوع من الانتماء للهوية الوطنية والتلاحم مع الخصوصية الثقافية لكل منطقة.
وتُستخدم الرقصات لإلغاء الحواجز النفسية بين القيادي السياسي والجمهور، مما يُعطي انطباعاً بالعفوية والبساطة.
ثانيا، منطق “المجتمع الفرجوي” وصناعة “الترند”، ففي عصر المنصات الرقمية تيك توك، فيسبوك، وإنستغرام، أصبح المقطع المرئي القصير والمبهج يحقق انتشاراً أوسع بكثير من خطابات برامج الأحزاب المعقدة.
كما أن الرقص والاحتفالية تضمن للحزب والبطل السياسي تصدر التغطيات الإعلامية والتفاعل الجماهيري سواء بالإيجاب أو السلب، وهو ما يضمن البقاء داخل دائرة الضوء.
ثالثا، النقد السياسي والتحفظات، حيث يعيب النقاد والمراقبون السياسيون على هذه الممارسات تحويل العملية الانتخابية من منافسة حول رؤى واقتصاد وبرامج تنموية إلى “عرض فرجوي” يغلب عليه البهرجة.
كما أن المبالغة في هذه المشاهد تُعد استخفافاً بعقلية المواطن وتغطية على غياب الحلول الواقعية للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية.
الممارسة في حد ذاتها ليست عيباً إذا كانت عفوية وتأتي في سياق التفاعل الطبيعي مع الثقافة المحلية، لكنها تتحول إلى مؤشر سلبي عندما تُستغل كبديل عن النقاش السياسي الجاد والالتزامات البرامجية التي يحتاجها الناخب لتحديد خياراته.
عند إسقاط هذه الممارسات الاحتفالية على الواقع الميداني والظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يمر بها قطاع عريض من المواطنين، تتحول الرقصات والمهرجانات الانتخابية من مجرد “تواصل شعبي” إلى رسائل ذات حمولة عكسية تماماً.
وتتحدد أبرز الدلالات التي تعكسها هذه المشاهد في ظل هشاشة الأوضاع المعيشية في النقاط التالية:
أولا، انقاطع وغياب الحس بالواقع، حيث تُظهر هذه المشاهد فجوة عميقة بين النخبة السياسية والشارع؛ فبينما يعاني المواطن من تدهور القدرة الشرائية وتراكم الأزمات المعيشية، تُقدم الأحزاب عروضاً مبهجة تُعطي انطباعاً بعدم إدراك عمق المعاناة اليومية، أو التعامل معها بسطحية ولا مبالاة.
ثانيا، التسقيف السطحي للعمل السياسي، إذ تستعيض بعض القواعد الحزبية عن طرح برامج إنقاذية ومخططات لمواجهة البطالة والفقر بالتركيز على الاستعراض الميداني. هذا الأسلوب يُكرس فكرة “الاستهلاك اللحظي” للحدث الانتخابي بدلاً من تقديم التزامات واضحة ومسؤولة قابلة للمحاسبة.
ثالثا، تعميق أزمة الثقة وفقدان الموثوقية، بترجمة الشارع المغربي، وخاصة الفئات الأشد تضرراً والشباب، هذه التصرفات كنوع من الاستخفاف والضحك على الذقون، مما يغذّي عزوف المواطنين عن المشاركة السياسية ويكرس الانطباع بأن الانتخابات مجرد “موسم فرجوي” ينتهي بانقضاء فترة الاقتراع دون تغيير ملموس في الواقع.
رابعا، إعادة إنتاج الريع السياسي كبديل للتنمية، فتتحول هذه الأنشطة إلى أداة لدغدغة العواطف وتوظيف التراث الثقافي والديني كغطاء يتوارى خلفه عجز الخطاب السياسي عن تقديم إجابات هيكلية لإشكاليات التنمية، والعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة.
إن التفاعل مع الهم اليومي للمواطن يحتاج إلى خطابات واقعية، وبرامج قابلة للتطبيق، واستراتيجيات ملموسة لمكافحة الفقر والهشاشة، بدلاً من المبالغة في الاستعراض البصري الذي يزيد من حالة الاحتقان ويفاقم أزمة التمثيل السياسي.