غلاء عالمي يلوح في الافق والأمن الغذائي يدخل مرحلة الإنذار
ريحانة برس/ سيداتي بيدا
لم يعد الغلاء الذي ينهك جيوب المغاربة مجرد انعكاس لاختلالات داخلية أو تقلبات موسمية، بل أصبح امتدادًا مباشرًا لصراعات دولية لا تنتهي. فكل حرب تندلع، وكل ممر تجاري يُغلق، وكل موجة جفاف تضرب إحدى السلال الغذائية الكبرى، تتحول سريعًا إلى فاتورة جديدة تُفرض على موائد الأسر المغربية، حتى وإن كانت المملكة بعيدة عن ساحات القتال.
ويأتي التحذير الأخير الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) ليؤكد أن العالم يتجه نحو موجة جديدة من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، بفعل التداخل الخطير بين الحرب في أوكرانيا، والتوترات المتفاقمة في الشرق الأوسط، والتغيرات المناخية المتسارعة. إنها معادلة دولية باتت تُعيد رسم خريطة الأمن الغذائي العالمي، وتكشف هشاشة الاقتصادات المعتمدة على الأسواق الخارجية.
ورغم التحسن النسبي الذي عرفه الموسم الفلاحي بالمغرب بفضل التساقطات المطرية، فإن المواطن لم يلمس الأثر الحقيقي لهذا التحسن داخل الأسواق. فالأسعار لا تزال مرتفعة، والقدرة الشرائية تتآكل، وكأن المواسم الجيدة لا تُترجم إلى انفراج، بينما تنتقل الأزمات العالمية إلى جيوب المغاربة بسرعة خاطفة. إنها مفارقة اقتصادية تفرض التساؤل حول أسباب استمرار هذا الخلل، وحول مدى فعالية الآليات المعتمدة لحماية المستهلك من التقلبات الدولية.
الأخطر من ذلك أن المغرب، بحكم ارتباطه باستيراد عدد من المواد الغذائية الأساسية والطاقة والمواد الأولية، يظل معرضًا بصورة دائمة لارتدادات الأزمات الخارجية. وهذا الواقع يجعل الأمن الغذائي الوطني رهينًا بمعادلات جيوسياسية ومناخية لا يملك التحكم فيها، في وقت تتزايد فيه حدة المنافسة العالمية على الموارد وترتفع كلفة الإنتاج والنقل والتخزين.
إن استمرار هذا الوضع لا يهدد الاقتصاد وحده، بل يضع السلم الاجتماعي أمام اختبار حقيقي. فارتفاع أسعار الغذاء لا يعني فقط تقلص القدرة الشرائية، بل يعني أيضًا اتساع دائرة الهشاشة، وتعميق الفوارق الاجتماعية، وإضعاف قدرة الأسر على مواجهة الأزمات المتلاحقة. وعندما يصبح الغذاء عبئًا يوميًا، فإن تداعيات ذلك تتجاوز الأرقام والإحصاءات لتصل إلى صميم الاستقرار المجتمعي.
ولذلك، لم يعد مقبولًا التعامل مع الأمن الغذائي باعتباره ملفًا تقنيًا أو زراعيًا محدودًا، بل أصبح قضية سيادة وطنية بامتياز. فتعزيز الإنتاج المحلي، وتوسيع المخزون الاستراتيجي، وتشديد الرقابة على مسالك التوزيع، والتصدي للمضاربات والاحتكار، لم تعد خيارات مؤجلة، وإنما ضرورة تفرضها التحولات الدولية المتسارعة
العالم يدخل مرحلة تتراجع فيها وفرة الغذاء بينما ترتفع كلفته بوتيرة مسبوقة ومن يتاخر في بناء منظومة غذائية اكثر استقلالا سيجد نفسه يدفع اثمانا باهضة اقتصاديا واجتماعية
فحين تتحول الحروب والتغيرات المناخية الى مصانع لانتاج الغلاء لا يبقى الخطر خبرا عابرا في نشرات الأخبار بل يصبح ضيفا ثقيلا على كل مائدة وحقيقة يومية تستنزف جيوب المغاربة وتهدد امنهم المعيشي..