مراكش تحت الشمس مدينة تستقبل الملايين وتعجز عن تظليل منتظري الحافلات
ريحانة برس / سيداتي بيدا
تواصل مراكش ترسيخ صورتها كواحدة من أبرز الوجهات السياحية في العالم، تستقبل ملايين الزوار سنويًا، وتتباهى بمشاريعها الكبرى وبأسطول حديث من حافلات النقل الحضري. غير أن هذه الصورة اللامعة تخفي واقعًا يوميًا يعيشه آلاف المواطنين، عنوانه الانتظار تحت شمس لا ترحم، في محطات تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية والراحة.
ففي عز الصيف، حين تتجاوز درجات الحرارة مستويات مرهقة، تتحول العديد من مواقف الحافلات إلى نقاط مكشوفة، يقف فيها التلاميذ والطلبة والموظفون والعمال وكبار السن لساعات أحيانًا، دون مظلة تقيهم لهيب الشمس أو مقعد يخفف عنهم عناء الانتظار. مشهد يتكرر كل يوم، ويطرح سؤالًا مشروعًا: كيف يمكن الحديث عن نقل حضري عصري، بينما ما يزال الراكب يواجه ظروفًا أقرب إلى الإهمال منها إلى الخدمة العمومية؟
هذا الوضع أثار استياء عدد من الفاعلين المدنيين، الذين اعتبروا أن غياب المظلات لم يعد مجرد نقص في التجهيزات، بل أصبح عنوانًا لاختلال في تدبير الفضاء العمومي، يمس بصورة المدينة قبل أن يمس راحة المواطن. فالمحطة ليست مجرد مكان تتوقف فيه الحافلة، بل هي جزء من منظومة النقل، وأول ما يواجهه المرتفق قبل أن يبدأ رحلته.
والمفارقة التي تزيد من حدة الانتقاد، أن السلطات استثمرت مبالغ مهمة في تحديث أسطول الحافلات وتحسين وسائل النقل، بينما بقيت محطات الانتظار في عدد من الأحياء خارج دائرة التطوير، وكأن راحة المواطن تتوقف عند باب الحافلة ولا تبدأ منذ لحظة وصوله إليها.
إن المدن الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الحافلات الجديدة أو بالمشاريع الضخمة، بل بقدرتها على احترام الإنسان في أدق التفاصيل. فمظلة الانتظار ليست رفاهية عمرانية، وإنما حق بسيط يحمي المواطنين من ضربات الشمس صيفًا ومن الأمطار والرياح شتاءً، ويعكس مدى احترام المرفق العمومي لمستعمليه.
ولا يبدو هذا المطلب تعجيزيًا، فتكلفة تجهيز المحطات بمظلات عصرية ومقاعد ولوحات إرشادية تظل محدودة مقارنة بما يُرصد من استثمارات في قطاع النقل، وهو ما يجعل استمرار هذا الخلل أمرًا يصعب تبريره، خصوصًا في مدينة تطمح إلى تقديم نفسها نموذجًا للحداثة والاستدامة.
اليوم، لم يعد سكان مراكش ينتظرون خطابات جديدة عن تطوير النقل، بل ينتظرون إجراءات ملموسة تُنهي معاناة يومية أصبحت جزءًا من تفاصيل حياتهم. فالمدينة التي نجحت في تحديث الحافلات مطالبة أيضًا بتحديث محطاتها، لأن كرامة المواطن لا تبدأ عند مقعد داخل الحافلة، بل تبدأ منذ لحظة وقوفه على الرصيف.
إن أول اختبار لأي مشروع حضري ناجح ليس في مظهره بل في أثره على حياة الناس
ومراكش لن تكتمل صورتها كمدينة عالمية ما دامت شمسها تحرق منتظري الحافلات اكثر مما تضئ انجازاتها .