في أطروحة الدكتوراه، يونس مجاهد، يحلل اختلالات الصحافة والإعلام في المغرب
ريحانة برس
شهدت رحاب كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، يوم 16 يوليوز 2026، مناقشة أطروحة دكتوراه في تخصص علم الاجتماع للباحث يونس مجاهد، حملت عنوان: “تشكل الحقل الصحافي والإعلامي في المغرب من منظور الفاعلين”. أشرف عليها الأستاذ فوزي بوخريص وضمت لجنة مناقشتها أساتذة بارزين (عبد الله ساعف، عبد الله هرهار، عبد الصمد مطيع، فؤاد أعراب، محمد لخريصي، وهشام كجوط)، اعتمدت مقاربة نظرية ومنهجية متعددة المداخل مزجت بين تحليل الوثائق والشهادات والملاحظة المشاركة، لتقدم تشريحا سوسيولوجيا وتاريخيا لمسار تشكل هذا الحقل وتحولاته البنيوية.
وقد خلصت هذه الدراسة الأكاديمية إلى أن الأزمة الحالية للصحافة والإعلام بالمغرب ليست مجرد معضلة عابرة أو أزمة ظرفية، بل هي نتاج اختلالات بنيوية متراكمة منذ مرحلة الاستقلال، تعكس صراع إرادات وتداخل المعطيات السياسية، الاقتصادية، والمهنية، حيث ارتبطت ولادة الصحافة المغربية بالحمولة النضالية للحركة الوطنية لمقاومة الاستعمارين الفرنسي والإسباني، ورغم نبل هذه البداية، إلا أنها أورثت الحقل الصحفي طابعا سياسيا خالصا امتد إلى ما بعد الاستقلال، حيث هيمنت الصحافة الحزبية على المشهد لسنوات طويلة، وهو ما أعاق تحول الصحافة إلى مؤسسة مهنية مستقلة بذاتها.

في المقابل، ورثت الدولة المغربية بنية إعلامية محتكرة من عهد الاستعمار، وأعادت إنتاجها لخدمة سياق سياسي جديد يحكم قبضته على مجالات السيادة، وتجلى ذلك في فرض الوصاية على الإذاعة والتلفزة الرسميين كأدوات دعائية وتوجيهية، تكرس التغطيات البروتوكولية والاحتفالية الرسمية، وتهمش الأصوات المخالفة، مما عزل الإعلام العمومي تماما عن نبض الشارع وعن دوره المفترض كمسهل للحوار العمومي والمجتمعي. وحتى مع انفتاح القطاع وتحرير المشهد السمعي البصري، تم تبني نموذج ليبرالي محروس، انخرطت بموجبه أغلب الإذاعات الخاصة في تقديم محتوى ترفيهي وغنائي سطحي، متجنبة بعناية الخوض في القضايا السياسية الجوهرية.
يتجلى المظهر الأكثر خطورة لأزمة الصحافة المغربية في جانبها الاقتصادي، الذي تهيمن عليه فوارق صارخة واختلالات غير عادلة، مثل احتكار سوق الإشهار، والابتزاز الإعلاني، كأداة للرقابة الناعمة، وشح الموارد المالية، مع ضعف معدلات القراءة وغياب تنظيم قانوني ناجع، مما فتح الباب لإغراق المشهد بمقاولات صحفية رقمية وهمية أو هشة، تفتقر للتنظيم الإداري والمهني، كما اختفت هوية الممولين الفعليين، للعديد من منابر ما يسمى بالصحافة المستقلة، لتتحول في بعض الأحيان إلى منصات لتوجيه الرأي العام بطرق ملتوية.
تؤكد أطروحة الباحث يونس مجاهد أن الهروب نحو الرقمنة والتحول التكنولوجي، دون إصلاحات هيكلية لن يكون منقذا للقطاع، بل قد يساهم في تكريس الفوضى وتعميق الهشاشة القائمة، فإصلاح الصحافة يتطلب توفير الشروط الاجتماعية والمهنية الملائمة للإنتاج، ووضع سياسات عمومية شاملة ومحفزة تدعم الصناعات الثقافية والإعلامية بصفة عامة، وتعيد هيكلة توزيع الإشهار بشفافية، وتستثمر في التكوين الأكاديمي الرصين.
كما يخاص البحث إلى أن غياب الحد الفاصل بين الممارسة الصحافية و الإعلامية والمقاربة الدعائية، أضعف ثقة الجمهور وجعل الإعلام مرآة مشوهة للواقع الاجتماعي، لا تعكس تعددية المجتمع، بقدر ما تعيد إنتاج خطاب الدولة والنخب السياسية والإقتصادية، الموجه، ومن هنا، فإن تجاوز هذه الأزمة يقتضي مقاربة سوسيولوجية نقدية تعيد النظر في فلسفة العلاقة بين الدولة والمجتمع، و في تمثل الأحزاب السياسية والمنظمات المهنية والفاعلين في هذا الحقل، لعلاقتهم بمهنة الصحافة والإعلام، الذي ينبغي أن يكون مستقلا وغير تابع لحسابات الدعاية الفجة، بل صناعة ثقافية وطنية قادرة على التمثيل الصادق للتنوع المجتمعي، والانفتاح على التحولات الرقمية، دون التفريط في القيم الأخلاقية والاجتماعية.
وبعد المناقشة، تم منح الدكتوراه للطالب الباحث، يونس مجاهد، بميزة مشرف جدا، مع تنويه أعضاء اللجنة، والتوصية بالطبع.