السمارة زمور لكحل عندما ينجح المسؤولون وتخسر المدينة

ريحانة برس/ سيداتي بيدا 

ليست كل المدن التي تُنجب القادة تنال نصيبها من القيادة الرشيدة، والسمارة واحدة من أكثر النماذج إيلاماً. مدينة صنعت أسماءً حضرت في البرلمان، والمجالس المنتخبة، ومراكز القرار، لكنها بقيت، رغم ذلك، تدفع وحدها فاتورة الإهمال، وكأن أبناءها ما إن يغادروا أسوارها حتى تنقطع آخر خيوط المسؤولية بينهم وبين المدينة التي صنعت حضورهم.

المشهد يطرح سؤالاً لا يمكن القفز فوقه: كيف استطاعت السمارة أن تُصدّر هذا العدد من المسؤولين، بينما عجزت عن تصدير نفسها إلى خريطة التنمية؟ وكيف تحولت المناصب إلى وسيلة لصناعة النفوذ، بدل أن تكون جسراً لإنصاف مدينة تنتظر منذ سنوات أن ترى ثمار تمثيلها السياسي؟

من يتجول في أحياء السمارة لا يحتاج إلى لجان تقصي ولا إلى تقارير مطولة. الواقع يتحدث بوضوح؛ بنية تحتية متعثرة، مرافق عمومية لا ترقى إلى تطلعات السكان، فضاءات للشباب تكاد تكون غائبة، ومشاريع تتكرر في الخطب أكثر مما تظهر على الأرض. أما الوعود، فقد أصبحت موسماً انتخابياً دائماً، يتجدد كلما اقترب موعد صناديق الاقتراع، ثم يختفي بمجرد إعلان النتائج.

ولا يقف الأمر عند حدود التجهيزات، فالصحة بدورها تعيش وضعاً يثير القلق. مرضى يضطرون إلى السفر مئات الكيلومترات للحصول على خدمات علاجية أساسية، في وقت يفترض فيه أن يكون العلاج حقاً مضموناً لا رحلة شاقة تثقل كاهل الأسر. أما التعليم، فما زال يصارع تحدياته وسط حديث متكرر عن الإصلاح، بينما تظل النتائج أقل بكثير من حجم الشعارات المرفوعة.

المفارقة المؤلمة أن بعض المسؤولين تمكنوا من تحقيق قفزات كبيرة في أوضاعهم الشخصية، بينما بقيت المدينة تراوح مكانها. اتسعت المصالح الخاصة، لكن المصلحة العامة ظلت مؤجلة. وكأن النجاح الفردي أصبح بديلاً عن الواجب الجماعي، وكأن المنصب امتياز دائم لا تكليف تحكمه المحاسبة وربط المسؤولية بالنتائج.

السمارة ليست مدينة بلا تاريخ، ولا تفتقر إلى الطاقات والكفاءات. إنها مدينة ذات رصيد وطني وعلمي ورمزية خاصة، لكن هذا الرصيد لم يُترجم إلى مشاريع تنموية تليق بمكانتها. وما يزيد المشهد قسوة أن المواطن أصبح يسمع الخطاب نفسه في كل محطة انتخابية، حتى فقدت الوعود قيمتها، وأصبح الإنجاز الحقيقي هو الاستثناء لا القاعدة.

إن المدن لا تُقاس بعدد المسؤولين الذين خرجوا منها، بل بما عاد عليها من أثر بعد وصولهم إلى مواقع القرار. والسمارة اليوم تستحق مسؤولين يعتبرون المنصب مسؤولية قبل أن يكون وجاهة، وخدمة قبل أن يكون نفوذاً.

فمدينة بهذا التاريخ لا يجوز أن تبقى تنتظر نصيبها من التنمية، بينما يواصل أبناؤها الذين وصلوا إلى مواقع القرار كتابة قصص نجاحهم الشخصية بعيدا عن المدينة التي كانت نقطة البداية.

عبد الوفي العلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *