الشغب الكروى: الاعتراف بالألتراسات والقانون 09-09 غير كاف لضبط كل انزلاق

0

للمزيد من المعلومات ومشاهدة كل الصور المرجو الضغط على هذه الصورة

ريحانة برس – محمد عبيد

“كيف سنحارب الشغب بالدوريات والبيانات أو بالتوصيات عبر جمعيات المشجعين، ألا يوجد قانون رادع يعفينا من هذه الصور العفنة؟.. بناقص من هاذ الكورة سواء بالجمهور أو بدونه،،،”… هو تدوينة وسمها احد الاصدقاء على منصته الفايسبوكية..

فيما تساءل آخر “من المسؤول الأول عن شغب الملاعب؟

هذان نموذجان من بين عدد من النماذج للتعاليق التي تداولت على اكثر من نطاق عقب أحداث – (12 مارس 2022) – “الأحد الاسود” بالرباط بالمركب الرياضي الأمير مولاي عبدالله وبمحيطه.

بالنسبة للسؤال الثاني، كان هو السؤال نفسه الذي كنت قد طرحته على نفسي منذ انفجار واقعة الأحد بالرباط عقب مباراة الجيش الملكي والمغرب الفاسي برسم دور ثمن نهائي كأس العرش 2022… لأني تابعت المباراة إذ جرت في جو رياضي ولم اسجل اي ردة فعل بين لاعبي الفريقين سواء خلال المباراة وحتى عند الإعلان عن نهايتها.. لكن ما حدث بعد النهاية حزني كثيرا لأنه لو كان فعلا هناك جمهور واعي ليس فكريا بل عقليا (؟!!) ما كان ليتأثر الألتراس العسكري من إقصاء فريقه المحبوب الذي لم يحسن عرضه خلال ال90دقيقة من عمر المباراة.. يعني إقصاء موضوعي.. ويمكن استنتج ان ما ظهر من رد فعل من الجمهور العسكري ليس على النتيجة او الإقصاء؟!! … قد يكون شعوره عن هذا كان غائبا تماما، و أن ماقام به من سلوك قد لايعدو إلا بفعل فاعل (مؤثرات قد تتعداها إلى ثاثيرات بشرية هيأته للهيجان بآية وسيلة!؟ )…

ويبقى السؤال الأول أكثر استحضارا للمناقشة، إذ أن الإجراءات الصادرة عن الجهاز الكروي بالمغرب خلق من جهته الكثير من الجدل، واعتبره العديد من المتتبعين للشأن الرياضي فقاعة كروية للتخفيف عن صدى الحدث،؟!! كما أن البيانات التي جاءت عقب الأحداث فقط اكتفت بإشعارات للتنديد دون الإقرار بالسبب والمسببين في النازلة، وهو ما يحيلنا على قراءة أوسع بعيدا عن النمطية التي ذهب ويذهب إليه البعض بتعليق شماعة هذا الشغب على الأوضاع الاجتماعية (غلاء المعيشة) والتكوينية (التعليم)… وإن كنت استبعد كثيرا ان يكون هذا الانفلات جاء على خلفية قهر المعيشة او الغلاء.. أو حتى ما يربطه البعض بالتعليم والمدرسة.. إنها قضية اجتماعية أسرية قبل اي شيء آخر، البيئة الاجتماعية…

 فإذا ما تجاوزنا الأحكام المسبقة، فإنه وجب علينا أن ندرك بأن هناك عوامل اجتماعية لا ينكر أحد ما تلعبه هذه الأخيرة من دور في توجيه سلوك الفرد، وخاصة “المشاغب” في الملاعب الرياضية.

إذ يمكن القول بأن ما حدث يتطلب أولا استحضار البيئة الاجتماعية للأشخاص المنتسبين او المكونين للألتراسات؟ جلهم إن تقصينا في انتماءاتهم سنجد أنهم ينتمون إلى فئات مجتمعية لها خصوصيات نفسية واجتماعية، ومن فئات أسرية يسكنها الجهل ليس تعليميا بل تربية أسرية مرتبطة بسلوكيات نفسية واجتماعية متعلقة بالتهور واحيانا تحت غطاء الإحساس بالقهر!؟؟.. إنهم ينحذرون من فئات شعبية ويجد عدد من هذه الشريحة وخاصة منها التي لاتزال في سن المراهقة فكريا قبل أن نستحضر ذلك عُمْريا، والتي تتسم عادة بالرغبة في التعبير عن إثبات الذات حين تستشعر بأنها غير قادرة للتعبير عن ذلك في وسطها الأسري، وحيث تجد في الشارع او فضاءات عمومية فرصة سانحة لتمرير الأفكار ونقدها وعبر ممارسات وسلوكات غير موضوعية.

فالمشاغبون من المراهقين والشباب غالبا ما يعيشون حياة صعبة جدا، فيها مجموعة كبيرة من المشاكل الناجمة عن الإحباط والفقر والضياع، وكذلك الحرمان والقلق النفسي والاجتماعي والفراغ، الى جانب ما يتعرضون له من تعاطي للمحظورات التي تأثر على سلوكاتهم بشكل سلبي أفضع مما ينتج عنه سرعة الانفعال وعدم القدرة على التحكم بالمشاعر السلبية، واللجوء إلى العنف كوسيلة للتعبير عن الرفض أو الاحتجاج بدل الحوار والتواصل السلمي، وهم لا يخافون من عواقب سلوكهم العدواني سواء كان حبسا أو عقوبة مالية، لأنهم يستجيبون فقط لرغبة الانتقام، وهدم العالم الخارجي ونقل ذلك كله إلى غيرهم… وبذلك تشكل هذه الظاهرة في عمقها مجموعة من الأفعال التي تحول الرياضة من أفراح إلى مآتم‬، ولهذا كان شغب الملاعب يجسد لصورة من صور العصيان على النظام الذي يكفله القانون، كما أنه من أبرز مظاهر التمرد على المجتمع، ويعد من الجرائم التي تهدد كيانه.

الألتراسات بالمغرب وجب تقنينها وتحديد مسؤوليتها وقائمة مسيريها والمنتسبين إليها؟ حتى تتكون الأمور واضحة عند كل زلة كهاته… لا الاكتفاء بالاعتراف بالالتراسات وتركها تتحرك وتتصرف حسب ميزاجياتها في كل سلوكياتها، مع ترك الحبل على الغارب في حرية المنتسبين إليها دون تحديد هويتهم حتى تكون في مواجهة مسؤوليتها إداريا وقانونية.. (كهذا الإنزلاق لو كان هناك إطار وتقنين كان يمكن ان يتحمل هذا الإطار مسؤوليته ولكان فعلا يستحضر هذه المسؤولية عند تنشيطه وحضوره بالملاعب)…

القضية، كما قلت تتطلب الكثير من التحليل والقراءة الموضوعية بعيدا عن تعليق نتائجها على شماعة القدرة المعيشة والغلاء والتعليم.. إنها قضية بيئية اجتماعية قبل اي شيء ومسؤولية تندرج ضمن إطار الفعل الجمعوي…إذا ما علمنا ان “الألتراس” ليس جماعة من خارج المجتمع؛ بل هو من صلبه.

وبالرغم ما اتخذ من تدابير إجرائية عملية لمعالجة الظاهرة وتهم مجالات متعددة منها التحسيس والتوعية، وتدبير الملاعب الرياضية من خلال الانفتاح على الجماهير المنظمة، وإشراك ممثليها في الإعداد للمباريات، فضلا عن إشراك شركات الحراسة في تنظيم وتأمين المباريات… وما جاء به التنسيق المؤسساتي بين كل القطاعات بإخراج النص التنظيمي الخاص باللجان المحلية المنصوص على إحداثها بالمادة 19-308 من القانون 09-09 المتعلق بتتميم مجموعة القانون الجنائي، حول العنف المرتكب أثناء المباريات أو التظاهرات الرياضية أو بمناسبتها… لكن يظهر أنه رغم الجهود المبذولة وبالرغم من هذه الإجراءات لردع “المشاغبين”، فإن القانون الذي يسلك مقاربة التجريم والعقاب وحده لا يكفي.

وان كان المنتمون لفصائل الألتراسات يصفون أن نواتهم لا تتكون فقط من فئات اجتماعية هشة كما يعرف عنها ويتداول، بل أيضا تتكون من أطر وطلبة في مستوى دراسي عالي، وأنهم من خلال نواتهم، يعتبرون منخرطون في المنظومة الكروية بالمغرب، على غرار حركة “الألتراس” في العالم، وأنهم يعتمدون في تمويل فصائلهم لأنشطتها ولرحلاتها، في غالب الأحيان، على التمويل الذاتي، وذلك من أجل تحقيق الاستقلال المادي، الذي يعد من أهم مبادئ “الألتراس”، حيث تنحصر الموارد المالية لفصائل “الألتراس” المغربية في المساهمات الفردية التي يقدمها الأعضاء، وكذا العائدات التي تجنيها من عملية بيع منتجاتها مثل: الأعلام وألوان الفريق والقبعات والشارات والأسطوانات التي تحتوي على أغاني الفصيل… فإنها جلها حين إلصاق فكرة العنف ضدها (فصائل الألتراس) تعتبره أمرا مرفوضا جداً، وتشجب ممارسة الشغب في الملاعب، وأنها تستهدف ممارسة التشجيع بطرق حضارية، والحرص على التعبير عن رسائلها داخل الملاعب بشكل سلمي… نظرا لما سبق المباراة من إعداد وتنظيم ومن توزيع المهام داخل الملعب وبالمدرجات والمنصات الخاصة بها بغرض أساسي وهو رفع لوحة فنية (تيفو)..وإن كان عدد من عناصر الألتراسات يرون بأن “أول متضرر من الشغب والعنف هم فصائل (الألتراس) أنفسهم”، فكيف لهذه الالتراسات ان تقوم بأعمال الشغب؟”…

هو تساؤل مشروع شكلا لكن مضمونا وحيث نتذكر أحداثا سابقة منذ نشأة الألتراسات بالمغرب سنة 2005 (أساسا “ألتراس كرين بويز” الذي يناصر فريق الرجاء البيضاوي، و”ألتراس عسكري” الذي يدعم فريق الجيش الملكي، بالإضافة إلى “ألتراس وينرز”، الذي يساند فريق الوداد البيضاوي قبل أن تتسع رقعة هذه الفصائل في باقي المدن المغربية).. يبقى الانتقال إلى ضوابط أخرى قد تكون اكثر فاعلية وقد تعفي كل الأطراف سواء المتداخلة في المنظومة الرياضية أو السلطات أو الدوائر الأمنية العمومية وغيرها مِن مَن يكون في مهام قَبْلية (إعداد وترتيب وضمان إجراء المباريات)، هو العمل على تقنين المنتسبين للألتراسات (ضبط هوية مسيريها والمنتسبين إليها والمشاركين في أنشطتها بالميادين الرياضية)…

 هو موضوع جد مهم وحساس وجبت مناقشته وتحديد إطاره بشكل أوسع لا الاكتفاء بالاعتراف بالألتراسات حتى تكون في مواجهة مسؤولياتها إداريا وقانونيا.. (كهذا الإنزلاق المسجل يوم الاحد الأخير بالرباط، لو كان هناك تقنين وضبط هوية المنتسبين للألتراس، ولكان يمكن أن يتحمل هذا الإطار بمتخلف اطره مسؤوليته، ولكان فعلا يستحضر جسامة المسؤولية عند تنشيطه وحضوره بالملاعب)…

لهذا كله، يبقى الاعتراف بالألتراسات والقانون 09-09 غير كاف لضبط كل انزلاق… بمزيد من الضوابط الإدارية وتوسيع أبواب المواد القانونية في العمل الجمعوي على مستوى هذا المجال.

وهو ما يدعو -من باب الاجتهاد- المشرع المغربي للتأمل في استحضاره وتقنينه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.