ريحانة برس
في كل سنة، ومع اقتراب شهر رمضان، يتجدد خطاب الإدانة الجماعية للأسواق، وكأننا أمام خصمٍ أخلاقي يتربص بالشهر الفضيل. ترفع نبرة الاستنكار، وتختزل الظاهرة في مفردات الجشع والاحتكار، غير أن المقاربة الرصينة تقتضي التمييز بين الانفعال والتحليل، وبين الموقف القيمي والفهم الاقتصادي.
لا خلاف حول قدسية الشهر وما يمثله من معاني الزهد والتكافل. لكن السؤال الجوهري: هل تتحرك الأسواق بمنطق الشعائر أم بمنطق المؤشرات؟ الواقع أن سلوك الأسعار في هذه الفترة يرتبط، في جانب معتبر منه، بارتفاع مفاجئ في الطلب، مدفوع بثقافة استهلاكية تتجاوز الحاجة الفعلية. يتحول الاستعداد لرمضان إلى نمط تعبوي في الشراء، حيث تُقتنى كميات مضاعفة من المواد الغذائية خلال أيام معدودة، مما يخلق ضغطاً آنياً على العرض، فتستجيب الأسعار وفق آلية معروفة في علم الاقتصاد.
هذا التفسير لا يبرئ أي ممارسة احتكارية، ولا يمنح غطاءً أخلاقياً للمضاربة غير المشروعة. فالتجارة، في بعدها القانوني، تخضع لضوابط المنافسة والشفافية، وأي إخلال بها يستوجب تدخلاً حازماً من الجهات المختصة. غير أن التعميم المرسل يضعف النقاش العمومي، ويغفل مسؤولية الفاعل الاستهلاكي في تشكيل منحنى الطلب.
من منظور أكاديمي، لا يمكن اختزال الظاهرة في “جشع التاجر” دون تحليل بنية سلاسل التوريد، وتكاليف النقل، وهوامش التلف، ودينامية الوسطاء. كما أن غياب معطيات دقيقة ومُحَيَّنة حول الكلفة الحقيقية للمنتجات يفتح المجال للتأويلات الشعبوية. الإصلاح يبدأ بالشفافية: نشر البيانات، تفعيل آليات المراقبة، وتعزيز المنافسة العادلة.
في المقابل، يظل السلوك المجتمعي عاملاً حاسماً. فشهر الصوم، الذي يفترض أن يكون موسماً للترشيد، يتحول paradoxically إلى ذروة استهلاكية سنوية. تُعدّ موائد تفوق الحاجة، ويُهدر جزء غير يسير من الغذاء. هذا التناقض بين الخطاب القيمي والممارسة اليومية يفرغ النقد من قوته الأخلاقية. لا يمكن المطالبة بسوق منضبطة في ظل طلب منفلت.
إن المقاربة الدبلوماسية الرشيدة لا تقوم على تبادل الاتهام، بل على توزيع المسؤوليات بوضوح: دولةٌ تضبط وتحاسب، وتجارٌ يلتزمون بأخلاقيات المهنة، ومستهلكون يمارسون وعياً نقدياً في الشراء. عندها فقط يمكن أن يتحول رمضان من موسم توتر اقتصادي إلى نموذج للتوازن بين الروح والسوق.
فالأسواق، في نهاية المطاف، ليست كياناً مستقلاً عن المجتمع، بل انعكاس لخياراته. وإذا أردنا عدالة سعرية مستدامة، فعلينا أن نعيد النظر في أنماطنا الاستهلاكية بنفس الجدية التي نطالب بها بصرامة الرقابة. تلك هي المعادلة التي تستحق نقاشاً هادئا











إرسال تعليق