ريحانة برس
في مدينةٍ يُفترض أن تحمي مؤسساتها كرامة الناس، وقفت سيدة مسنة تحت شمس حارقة، لا تملك سوى ظلّها وصبرها. أربعون دقيقة من الانتظار لم تكن زمناً عادياً؛ كانت اختباراً قاسياً لضمير مهنة، وسقوطاً مدوياً لقيم يفترض أنها غير قابلة للمساومة.
سيارات أجرة تمرّ تباعاً. مقاعد شاغرة. نظرات عابرة. ثم لا شيء. لا توقف، لا اعتذار، لا مبرر. فقط تجاهل بارد لسيدة أنهكها العمر. أمام مقر أمني، وفي قلب المدينة، كان المشهد أقرب إلى محاكمة صامتة: من يخدم من؟ ومن يمنح نفسه حق الانتقاء؟
الأمر لم يعد يتعلق بسلوك فردي يمكن عزله أو تبريره. حين يقرر سائق أن يختار زبونه وفق مزاجه، أو يرفض وجهة لأنها “لا تناسب حساباته”، فإنه لا يمارس حرية شخصية، بل يعتدي على جوهر الخدمة العمومية. رخصة النقل ليست امتيازاً خاصاً، بل عقد ثقة بين المهني والمجتمع. وأي خرق لهذا العقد هو استخفاف بالقانون قبل أن يكون إساءة لراكب.
الأكثر إيلاماً أن الضحية هذه المرة كانت سيدة مسنة. أي رسالة نبعثها حين يُترك كبار السن تحت الشمس لأن وجهتهم لا تعجب سائقاً؟ أي صورة نرسمها لمدينة تُدار فيها الخدمات بمنطق الربح السريع لا بمنطق الواجب؟
تتكرر الشكاوى: رفض أحياء بعيدة، تقليص عدد الركاب، تفضيل فئات معينة. إن صحت هذه الممارسات، فنحن أمام انزلاق خطير نحو تطبيع التمييز. وهذا أخطر من الواقعة نفسها، لأنه يحول الاستثناء إلى قاعدة، والخطأ إلى عادة.
لنكن واضحين: كرامة المواطن ليست بنداً اختيارياً. هي أساس كل خدمة عمومية. ومن يسيء إليها لا يسيء لفرد واحد، بل يطعن في مصداقية قطاع بأكمله، ويضع المهنيين الشرفاء في قفص الاتهام ظلماً.
المطلوب اليوم ليس التعاطف الموسمي ولا الغضب العابر، بل رقابة حازمة، ومساءلة لا تتردد، وعقوبات تردع كل من يعتقد أن الشارع بلا قانون. لأن التهاون في مثل هذه السلوكيات يفتح الباب لفوضى أكبر، ويزرع شعوراً خطيراً باللامبالاة.
المدينة تُقاس بإنصافها قبل عمرانها. وإذا كانت سيارة الأجرة واجهة يومية لها، فإما أن تعكس احتراماً وعدلاً، أو تكشف خللاً عميقاً في منظومة القيم. أما كرامة الناس… فليست قابلة للتفاوض، ولا ينبغي أن تُترك أبداً على قارعة الانتظار.











إرسال تعليق