الكاتب : ذ-عبد المولى المروري / كندا
بتاريخ : 16 فبراير، 2026 - 09:04
الزيارات : 120
ريحانة برس
في النقاش العمومي حول العلمانية، ينصرف الذهن غالبًا إلى تيار فكري واضح يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، وحصره في المجال الشخصي أو الشعائري. غير أن المفارقة التي قلّ من ينتبه إليها، هي وجود نمط آخر من العلمانية، لا يصدر عن خصوم الدين أو دعاة العلمانية الذين يدعون إلى فصل الدين عن الدولة وعزله عن المجتمع، بل يصدر أيضا عن بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي والمجال الوعظي.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن أن يكون بعض علماء الدين – من حيث لا يشعرون – قد تبنّوا صيغة عملية من العلمانية؟
أولاً: ما المقصود بعلمانية علماء الدين؟
لا يُقصد بها في هذا الموضوع تبني خطاب فلسفي علماني صريح، بل الدعوة إلى نمط من التدين يقوم على:
– التركيز المكثف على الشعائر الفردية (صلاة، صيام، مناسك).
– تجنب الخوض أو الحديث عن الشأن العام أو العدالة أو الاستبداد.
– اختزال الدين في الأخلاق الشخصية دون البعد الاجتماعي والسياسي.
– اعتبار القضايا السياسية والاقتصادية “خارج دائرة الاختصاص الشرعي”.
وهذا يؤدي عمليًا إلى نتيجة واحدة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها، وهي فصل الدين عن المجال العام، ولكن بلغة دينية.
ثانيًا: هل هناك أوجه تشابه هؤلاء العلماء مع العلمانيين التقليديين في بعض المجالات:
للجواب عن هذا السؤال، لابد أن ننظر ما يغلب على كلام وخطب العديد من العلماء وخطباء المنابر ودروس الكراسي العلمية..
– موقع الدين، ففي الوقت الذي يعتبر فيه العلمانيون أن الدين مجال فردي وشخصي، فإن بعض علماء الدين هم أيضا انحصر كلامهم واختُزِلت خطبهم في المجال الفردي الشعائري فقط،
– أما في الشأن السياسي، فإذا كان العلماني ينادي صراحة بفصل الدين عن الدولة والسياسة، فإن هؤلاء العلماء يعبرون عن ذلك بعبارة «هذا الشأن يُترك لأهله من ذوي الاختصاص».
– وفي جانب العدالة والسلطة، ففي الوقت الذي لا يخفي فيه العلمانيون اقتناعهم بأن الأمر يدار خارج المرجعية الدينية، فإن هؤلاء العلماء يتجنبون الخوض فيها..
– وإذا كان العلمانيون يعتبرون أن وظيفة الدين تنحصر في علاقة روحية خاصة بين العبد وربه، فإن كلام العلماء من فصيلة العلمانيين يختزلون وظيفة الدين كذلك في تهذيب العبد سلوكا وعقيدة بعيدا عن الدولة وقضاياها ومشاكلها..
وهذا التشابه جوهري ومعبر، حيث يظهر أن كلا الطرفين ينتهي – وإن اختلفت الدوافع – إلى تقليص الدين وحصره في المجال الخاص (العبد وربه) وإقصاءه عن المجال العام.
ثالثًا: هل هناك أوجه اختلاف بينهما
أما أوجه الاختلاف التي وإن بدت ظاهريا جوهرية، فإن الأهداف تلتقي في النتائج والواقع.
– المرجعية: ذلك أن العلماني ينطلق نظريًا من فلسفة تفصل الدين عن الدولة، استمدها من الصراع التاريخي بين الكنيسة وعلماء ومثقفي عصر النهضة الأوروبية، بينما عالم الدين (العلماني) ينطلق من النصوص الدينية، لكنه قد يقيّد تطبيقها حتى لا تصل إلى ما هو اجتماعي أو سياسي.
– النية والمقصد: فإذا كان العلماني يرى في الفصل بين الدين والدولة، أو بين الشريعة والسياسة ضرورة حضارية، ولا يجد حرجا في التصريح بذلك والدعوة إلى هذا الفصل، فإن عالم الشريعة قد يتوارى خلف الصمت في هذا الأمر بدافع الحذر، أو الخوف، أو ما يصطلح عليه بفقه المآلات، أو ربما بسبب ضغط الواقع السياسي والأمني.
– الخطاب: العلماني يُصرّح بكل وضوح بالفصل كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ولكن بعض العلماء يمارسونه دون التصريح به عندما تجدهم ينأون بأنفسهم عن الخوض في هذه المجالات، سواء في خطب الجمعة أو في محاضراتهم أو في مواعظهم.. فقد يتحدث هؤلاء العلماء في كل شيء، كان مهما أو تافها… إلا في القضية الفلسطينية والاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي والظلم الاجتماعي…
رابعًا: ما هو سبب هذه الظاهرة؟
لابد من التأكيد أولا أن هذه الظاهرة – ابتعاد علماء الدين عن التصدي للشأن العام – ليست غريبة أو جديدة، بل عرفتها مختلف عصور العالم الإسلامي إبان تعرضه للفتن والمحن، فظهرت في عهد الإمام أحمد بن حنبل، وفي عهد العز بن عبدالسلام، وفي عهد ابن تيمية وغيرهم، ويمكن تحليلها من زوايا متعددة:
الخوف من الاصطدام بالسلطة، وغالبا ما يكون هذا الخوف أهم الأسباب التي تكون وراء استنكاف بعض العلماء عن القيام بواجبهم الديني في مواجهة الاستبداد والظلم، إما خوفا عن مكانة أن تسقط، أو مصلحة قد تزول، أو من تشهير قد يصيبه، أو تضييق قد يلاحقه في حياته.
الفهم الضيق أو المنحرف لمفهومي طاعة ولي الأمر والاستقرار السياسي والأمني، وهذا من الاحتمالات الضعيفة جدا، فنادرا ما تجد عالما من علماء الدين تغيب عنه النصوص المشار إليها أدناه، وغيرها مما لم أتناولها هنا، وهي كثيرة ومشهورة.
تحول المؤسسة الدينية إلى جزء من بنية الدولة، وتحويل الحقل الديني إلى مجال خاص ومحتكر، تصرف فيه الدولة مشاريعها الدينية والثقافية وحتى الأمنية، وأحيانا السياسية التي تخدم أهدافها، وفي الوقت الذي تمنع ذلك عن سائر العلماء المستقلين.
إعادة تعريف “الدين” وتطبيقه باعتباره أخلاقًا فردية فقط، وذلك بالشكل الذي يلغي المعيارية لدى المواطن في مراقبة الدولة وتشريعاتها وقوانينها المناهضة للدين وتشريعه.
التأثر غير المباشر بالنموذج الغربي الحديث، حيث ظهر نوع من «العلماء» وبعض المنتسبين للحقل الإسلامي الذين أصبحوا يظهرون تأثرهم بالنموذج الغربي في فصل الدين عن السياسة، وأخذوا يبشرون به في لقاءاتهم ومحاضراتهم.
وهنا تظهر المفارقة، حيث يصبح عالم الدين والفقيه والداعية الذي ينتقد العلمانية نظريًا، أقرب إليها عمليًا.
خامسًا: هل كل تجنب للسياسة هو علمانية؟
من المهم التمييز بين الحياد العلمي المنضبط، والاعتزال المؤقت بسبب الفتنة. وبين التخصص المشروع، وبين التفريغ البنيوي للدين من رسالته الحضارية.
فالأنبياء – في النص القرآني – لم يكونوا دعاة شعائر فقط، بل دعاة عدل وتحرير ومواجهة للطغيان.
﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡمِیزَانَ لِیَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِیدَ فِیهِ بَأۡسࣱ شَدِیدࣱ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِیَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن یَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَیۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِیٌّ عَزِیزࣱ﴾ [الحديد 25]
﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [الروم: 9].
(اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي . اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى . قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى . قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه:42-46).
﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ﴾ [القصص: 59]
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ﴾ [إبراهيم: 13].
﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [التوبة: 70].
﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [يونس: 13].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أفضلُ الجهادِ كلمةُ عدلٍ عند سُلطانٍ جائرٍ – أو أميرٍ جائرٍ» رواه أبو داوود، فالجهاد لا يكون بالسِّنان فقط، بل باللسان أيضا، وهذا ميدان العلماء..
وقال أيضا: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» رواه مسلم.
وروى ابن أبي الدنيا وغيره، وصححه بعض أهل العلم بمجموع طرقه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أمر ملكا من الملائكة أن يخسف بقرية، فقال: يا رب، إن فيها عبدك فلانا، لم يعصك طرفة عين، قال: به فابدأ، فإنه لم يتمعر وجهه فيَّ في ساعة قط»..
الدين في أصله مشروع قسط، لا مجرد مشروع تزكية فردية؛ مشروع عدل اجتماعي يتجاوز حدود التهذيب الشخصي، ويؤسس لمعيار أخلاقي يحاكم مختلف صور الظلم، بما فيها انحراف السلطة عن مقتضيات العدل. ولم يُشرع ليُعاد تعريفه في صورة تدين طقوسي منغلق يكتفي بالشعائر الفردية، ويعزل نفسه عن القضايا المعيارية الكبرى في المجتمع، أو ينزلق إلى تموضع توافقي يُضعف وظيفته النقدية تجاه السلطة.
سادسًا: أين هو الإشكال الحقيقي؟
الإشكال ليس في وجود علماء يركزون على الوعظ، ولا في وجود علمانيين يدافعون عن فصل السلطات، بل في السؤال الأعمق: هل يمكن لأمة أن تحافظ على حيوية دينها إذا تحول هذا الدين إلى شأن شخصي معزول عن قضايا العدالة والحرية والكرامة؟ وإلا فما معنى قوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110]، وقوله تعالى ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ ﴾ [ البقرة: 143]
العلمانية الفكرية واضحة المعالم والأفكار والأهداف التي يمكن مناقشتها فكريا ودينيا، لكن الأخطر هو “العلمانية الصامتة”، تلك العلمانية التي تتكلم باسم الدين وتأخذ منه «المرجعية والتأصيل»، التي تُفرغ الدين من أبعاده الاجتماعية والسياسية والكونية دون إعلان ذلك.
ليس المطلوب تسييس الدين، ولا تحويل المنابر إلى ساحات حزبية، بل استعادة المعادلة القرآنية التي تقول دين يزكي الفرد… ويقيم العدل في المجتمع.. وبتصدى للظلم.
المصدر : فايسبوك
إرسال تعليق