ريحانة برس
لم تكن مورسيا هذا الأسبوع مدينةً عادية تمضي في صخبها اليومي. كانت مدينةً تواجه نفسها في المرآة. في الشوارع التي اعتادت حركة المارة، ارتفع صوت آخر، أكثر حدة ووضوحاً: “كرامة النساء ليست قابلة للتفاوض”.
في حي سان خوسيه دي لا فيغا، لم تكن قصة سلمى مجرد حادثة جنائية عابرة، بل رواية رعب امتدت لعامين كاملين؛ عامان من العزلة القسرية، والخوف، والانتهاك. عامان كفيلان بأن يفضحا هشاشة منظومات الحماية، وأن يطرحا سؤالاً لا يمكن الهروب منه: كيف يُترك إنسان يصرخ كل هذا الوقت من دون أن يُسمَع؟
القضية لم تُشعل الغضب فقط، بل فجّرت وعياً مكبوتاً. الوقفة التضامنية التي دعت إليها فعاليات نسوية ومناهضة للعنصرية لم تكن تجمعاً رمزياً لالتقاط الصور، بل كانت محاكمة أخلاقية في الهواء الطلق. نساء ورجال، مهاجرون ومواطنون، اصطفوا كتفاً إلى كتف ليعلنوا أن الجريمة ليست شأناً فردياً، وأن العار لا يلتصق بالضحية بل يطارد كل من صمت، وكل من قصّر، وكل من تواطأ بالصمت أو الإهمال.
لم تعد القضية قضية “سلمى” فقط. صارت اختباراً حقيقياً لمدى التزام المؤسسات بواجبها في الحماية والاستجابة. العدالة هنا لا تختزل في قاعة محكمة ولا في حكم قضائي، بل تبدأ بالاعتراف بالفشل، وبإصلاح الثغرات التي سمحت باستمرار المأساة لعامين كاملين. العدالة تعني أيضاً حماية النساء الهشّات، بغضّ النظر عن أصولهن أو أوضاعهن القانونية، من أن يُتركن فرائس سهلة للعنف.
الغضب في مورسيا لم يكن فوضوياً؛ كان غضباً واعياً، منظماً، موجهاً. هتافات المحتجين لم تطلب الشفقة، بل طالبت بالمساءلة. لم تسعَ إلى إثارة التعاطف العابر، بل إلى فرض تغيير مستدام. الرسالة كانت صارمة: لا حصانة للعنف، ولا أعذار للتقصير، ولا مساحة بعد اليوم لثقافة لوم الضحية.
في قلب الحشد، ارتفعت صورة سلمى لا كرمز للانكسار، بل كشهادة حيّة على أن محاولات طمس الألم يمكن أن تنقلب إلى شرارة وعي جماعي. فالعنف قد يسعى إلى إسكات الضحايا، لكنه حين يُكشَف، يعرّي منظومات كاملة ويضعها تحت المجهر.
ما حدث في مورسيا ليس نهاية قصة، بل بدايتها. بداية مواجهة جدية مع سؤال الأمان، والمساواة، والعدالة. بداية مرحلة يُفترض فيها أن تتحول الشعارات إلى سياسات، والغضب إلى تشريعات أكثر صرامة، والوعود إلى آليات حماية فعّالة.
لأن الرسالة اليوم أوضح من أي وقت مضى: كرامة النساء خط أحمر. ومن يتجاوزه، يواجه مجتمعاً قرر ألا يصمت بعد الآن.











إرسال تعليق