ريحانة برس
مرة أخرى، تعود “الساعة المشؤومة” لتُفرض على المغاربة بقرار بارد، لا يراعي ضجيج الرفض ولا يلتفت إلى تعب يومي صارخ. ستون دقيقة أُضيفت إلى توقيت غرينتش، لكنها في واقع الأمر سُحبت من أعصاب المواطنين، من نوم أطفالهم، ومن توازن حياة لم تعد تحتمل مزيداً من العبث.
ليس الأمر مجرد تعديل تقني كما يُروَّج له في البلاغات الرسمية، بل هو قرار يلامس عمق المعاناة اليومية. المغاربة لا يحتجون على أرقام في الساعة، بل على اختلال في إيقاع الحياة، على صباحات مظلمة تُثقل كاهل التلاميذ، وعلى يوم عمل يبدأ بالإرهاق وينتهي بالاستنزاف.
الغضب هذه المرة لم يبق حبيس الأحاديث الجانبية أو التعليقات العابرة، بل انفجر في الفضاء الرقمي بشكل لافت. عريضة “نريد العودة إلى التوقيت الطبيعي” لم تكن مجرد مبادرة عابرة، بل صفعة رقمية مدوية، حصدت أكثر من 143 ألف توقيع في وقت قياسي. رقم يختزل حجم الاحتقان، ويعكس بوضوح أن الأمر تجاوز حدود التذمر إلى رفض صريح ومباشر.
ومع ذلك، يستمر نفس النهج: قرار فوقي، تبريرات جاهزة، وصمت رسمي أمام سيل الانتقادات. كأن المواطن مجرد رقم في معادلة، أو تفصيل صغير لا يستحق حتى عناء الاستماع. هذا الإصرار على المضي عكس التيار لا يمكن قراءته إلا كتعنت مقلق، يعمّق فجوة الثقة ويؤجج الإحساس بالتجاهل.
أما الحديث عن المكاسب الاقتصادية وربط التوقيت بالأسواق الدولية، فقد أصبح شماعة مستهلكة. فما جدوى أي مكسب مزعوم إذا كان ثمنه إنهاك مجتمع بأكمله؟ التنمية الحقيقية لا تُبنى على حساب راحة الناس، ولا تُفرض بمنطق “تأقلموا أو اصمتوا”.
الأخطر من القرار نفسه هو تكراره بنفس السيناريو كل عام: احتجاجات، مطالب، تجاهل… ثم إعادة فرض الأمر الواقع. هذا الدوران العبثي لا يعكس قوة القرار، بل يكشف عجزاً عن إيجاد حل توافقي يحترم صوت المجتمع.
اليوم، لم تعد القضية قضية توقيت، بل قضية كرامة يومية. حين يُجبر الناس على التكيف مع قرار يرفضونه، تتحول الساعة إلى رمز للفرض، ويصبح الزمن نفسه أداة ضغط.
الرسالة واضحة، صارخة، ولا تحتاج إلى تأويل: المغاربة لم يعودوا مستعدين للصمت. والسؤال الذي يزداد إلحاحاً: هل تستمر الحكومة في إدارة ظهرها لهذا الغضب… أم تدرك أخيراً أن عقارب الساعة لا يمكن أن تسير عكس إرادة شعب؟












إرسال تعليق