ريحانة برس
في خطوة استباقية وحازمة، أطلق المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (أونسا) تحذيراً صارماً للأسر المغربية، معلناً سحب دفعات محددة من حليب الرضع المنتشرة في السوق المحلي، بعد ورود إشعار دولي يشير إلى احتمال تلوث هذه المنتجات ببكتيريا تنتج مادة “السيروليد” السامة، التي قد تشكل تهديداً مباشراً لصحة وسلامة الأطفال الرضع.
هذا الإعلان جاء في إطار حرص المكتب على حماية صحة الأطفال، وضمن جهوده المكثفة لمنع أي أضرار صحية قد تنتج عن استهلاك حليب ملوث، حيث طالب بوقف فوري لتوزيع هذه الدفعات، مع اتخاذ إجراءات حجز فوري للكميات الموجودة في المخازن والإتلاف الكامل لها.
وتشمل الدفعات التي شملها قرار السحب علامات تجارية مشهورة مثل “أبتاميل” و”نيرسي”، بحجم عبوات 400 و900 جرام، الأمر الذي حذا بالمكتب إلى إبلاغ الجهات المختصة بضرورة مراقبة الأسواق والتأكد من تطبيق هذا القرار بصرامة.
وفي بلاغ رسمي أصدره المكتب، أكد على أهمية توخي الحذر الشديد من قبل الآباء والأمهات، وشرح طريقة التعرف على المنتجات الملوثة عبر رقم الدفعة المكون من ثمانية أرقام، والمذكور مباشرة على العبوة، والتي تبدأ بأرقام 2026 أو 2027. هذه الخطوة تهدف إلى تمكين الأسرة من حماية أبنائها من أي مخاطر صحية محتملة.
ويُعد هذا التحرك الاستثنائي من المكتب الوطني للسلامة الصحية دليلاً على مسؤولية الجهات الرقابية في الحفاظ على صحة الأطفال، وحماية المواطنين من المنتجات غير المطابقة لمعايير السلامة الصحية، خاصة في ظل هشاشة فئة الرضع التي لا تحتمل المجازفة أو الأخطاء في إمداداتهم الغذائية.
كما يُذكر أن مادة “السيروليد”، التي يمكن أن تنتجها البكتيريا الملوثة، تعتبر خطرة جداً على الجهاز المناعي الضعيف للأطفال، وقد تؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة، مما يجعل اتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة أمراً ضرورياً وملحّاً.
في هذا السياق، تدعو أونسا كافة المستهلكين إلى متابعة تحديثات الجهات المختصة، والامتناع فوراً عن استخدام أي حليب رضاعة يتطابق مع الأرقام المذكورة، والاتصال بالجهات المختصة حال وجود أي شكوك أو استفسارات بشأن المنتج.
وأخيراً، يؤكد المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية على استمرارية مراقبته المشددة للأسواق، والتزامه بحماية صحة المستهلكين، مع استعداد كامل للتدخل السريع في حال رصد أي مخاطر صحية محتملة، حفاظاً على سلامة وسعادة المواطنات والمواطنين، خصوصاً أجيال المستقبل.

بهذه الإجراءات السريعة والمعلنة، يرسخ المكتب الوطني للسلامة الصحية موقفه الحازم تجاه سلامة المستهلكين، مؤكداً أن الوقاية خير من العلاج، ولا مجال للمخاطرة بصحة الأطفال الرضع تحت أي ظرف كان.
ليس هناك ما هو أكثر قسوة من أن يتحول غذاء الرضيع، الذي يفترض أن يكون مصدر الحياة والنمو، إلى خطر يهدد صحته وربما حياته. خبر سحب دفعات من حليب الرضع من الأسواق المغربية بعد الاشتباه في حالات تسمم ليس مجرد حادث عابر في سلسلة الإنتاج الغذائي؛ إنه إنذار مدوٍّ يكشف كيف يمكن للجشع أن يغمض عيون بعض الشركات عن أبسط قواعد الضمير.

الرضيع لا يختار غذاءه. الأم المرهقة التي تبحث عن أفضل ما يمكن أن تقدمه لطفلها تضع ثقتها في علبة حليب تحمل اسم شركة كبيرة وشعار جودة لامع. لكنها لا ترى ما يجري خلف جدران المصانع، ولا تعرف إن كانت معايير السلامة تُحترم بصرامة، أم تُختصر أحيانًا في سبيل تقليل التكاليف وتعظيم الأرباح.
حين يعمي الطمع البوصلة الأخلاقية، يصبح السوق ساحة مفتوحة للمجازفة بصحة الأطفال. وحين تتهاون بعض الشركات في أدق تفاصيل التصنيع أو المراقبة، فإنها لا ترتكب خطأً بسيطًا، بل تلعب مقامرة خطيرة بأجساد صغيرة لا تقوى حتى على التعبير عن الألم.
إن حياة أطفالنا لا يجب أن تكون ضحية حسابات تجارية باردة. فالرضيع الذي يعتمد كليًا على الحليب الصناعي لا يملك خيارًا آخر. أي خلل في هذا الغذاء قد يفتح الباب أمام التسمم، أو المضاعفات الصحية الخطيرة، أو معاناة لا ذنب له فيها سوى أنه وُلد في عالم تحكمه أحيانًا أرباح الشركات أكثر مما يحكمه الضمير.
المشكلة لا تقف عند حدود مصنع أو دفعة إنتاج واحدة. المشكلة أعمق: ثقافة الاستهانة بسلامة المستهلك حين يضعف الردع. ففي صناعة حساسة مثل حليب الرضع، يجب أن يكون الخطأ صفرًا، والرقابة صارمة، والمحاسبة قاسية. لأن أي تقصير هنا لا يعني خسارة مالية، بل قد يعني حياة طفل.
ما حدث يجب أن يكون نقطة تحول. ليس فقط بسحب الدفعات المشبوهة من الأسواق، بل بفتح أعين الرأي العام على حقيقة لا يجب تجاهلها: بعض الشركات قد تنسى إنسانيتها حين تتضخم شهيتها للأرباح.
إن أطفالنا ليسوا حقول تجارب، ولا أرقامًا في تقارير الأرباح. حياتهم أغلى من أي علامة تجارية، وصحتهم أثمن من أي صفقة. لذلك فإن الرسالة يجب أن تكون واضحة وصارمة: من يستهين بغذاء الرضع يستهين بالحياة نفسها، ومن يغامر بصحة الأطفال يجب أن يواجه أقسى درجات المساءلة.











إرسال تعليق