بين صمت القاعات وضجيج الاحتجاج… كيف انتصرت المحاماة للحوار؟

  • الكاتب : سيداتي بيدا
  • بتاريخ : 17 فبراير، 2026 - 14:10
  • الزيارات : 210
  • ريحانة برس

    لم يكن المشهد عادياً. فالمحاكم التي اعتادت صخب المرافعات وهمسات الاستشارات، بدت خلال الأيام الماضية كأنها مدينة معلّقة بين زمنين: زمن العدالة المؤجلة، وزمن الاحتجاج المشروع. صمت القاعات لم يكن فراغاً، بل كان رسالة. رسالة حملها المحامون وهم يختارون الإضراب سبيلاً للاعتراض على مشروع قانون المهنة بصيغته المقترحة.

    واليوم، تعود الحياة إلى تلك القاعات، لا كعودة روتينية، بل كتحول دالّ في مسار شدّ وجذب بين الجسم المهني والسلطة التنفيذية. البذلة السوداء عادت إلى مواقعها، والجلسات المؤجلة انعقدت تباعاً، في مشهد يعكس استعادة الإيقاع الطبيعي لمرفق العدالة. غير أن ما تغير ليس فقط الحركة داخل المحاكم، بل طبيعة المعادلة التي فرضها الاحتجاج.

    لقد شكّل الإضراب لحظة اختبار حقيقية لميزان القوة بين رؤية رسمية تسعى إلى تعديل الإطار القانوني للمهنة، وبين إرادة مهنية ترى في استقلاليتها خطاً أحمر. ولم يكن التصعيد هدفاً في ذاته، بل وسيلة للضغط من أجل فتح باب التفاوض على أسس أكثر توازناً. ومع إعلان وقف إحالة مشروع القانون على البرلمان بصيغته السابقة، بدا أن صوت المهنة قد بلغ مداه.

    يرى عدد من المحامين أن العودة إلى العمل لا تعني انطفاء جذوة المطالب، بل انتقالها من الشارع المهني إلى طاولة الحوار. فالرهان اليوم لم يعد إثبات الرفض، بل بلورة تصور تشاركي يزاوج بين متطلبات الإصلاح وضمانات الاستقلال. إن المحاماة، بحكم موقعها داخل منظومة العدالة، ليست مجرد فاعل إداري، بل شريك دستوري في تكريس الحق في الدفاع وصيانة الحريات.

    المرحلة التي عاشتها المحاكم كشفت هشاشة التوازن حين يغيب التشاور، وأكدت في المقابل أن قوة المؤسسات تكمن في قدرتها على الاستماع والتراجع حين يقتضي الأمر. فالاحتجاج، حين يُدار ضمن الأطر القانونية، يتحول إلى أداة تصحيح لا إلى معول هدم.

    هكذا، عادت الجلسات، واستأنفت الملفات مسارها، لكن الدرس الأعمق يبقى في أن العدالة لا تُختزل في أحكام تصدر، بل في حوار يُبنى. وبين صمت الأمس وحركية اليوم، تتكرّس قناعة مفادها أن إصلاح المهن القانونية لا ينجح بقرارات أحادية، بل بشراكة حقيقية تعترف بأن استقلال المحاماة ليس امتيازاً، بل شرطاً جوهرياً لعدالة نزيهة ومتوازنة.