ريحانة بريس
للقلوب المؤمنة نسيم لطيف غير كثيف به تتميز عن القلوب القاسية؛ تلك القلوب التي لم يدخل فيها الإيمان، فتراها مُظلمة وظالمة، خالية من المودة والرحمة والرأفة.
وللإيمان علامات وللمؤمن كرامات وصفات. ففي كتاب الله كثيراً ما نجد : “الذين آمنوا وعملوا الصالحات “، فنُدرك أنَّ العمل الصالح من براهين الإيمان. وهذا الفيلسوف اللاهوتي الإنجليزي ” توماس ڤولر “، يقول : ” لا يكون المرء مؤمناً حتى يعيش تبعاً لما آمن به “, أما أن يقول المرء ” الإيمان في القلب ” ، وهو غير مُخلص في العبادة ولايتبع ما أنزل الله في كتابه، فذلك لم يدخل الإيمان قلبه حقاً.
ذكر ابن القيم الجوزية في كتابه الطيب ” الوابل الصيب من الكلم الطيب “، الصفحة 52 طبعة عطاءات العلم -الرياض- ما يلي :
القلب الثالث : قلبٌ مَحْشُوٌّ بالإيمان، قد استنار بنور الإيمان، وانقشعت عنه حجب الشهوات، وأقلعت عنه تلك الظلمات، فَلِنُوره في قلبه إشراق، ولذلك الإشراق إيقادٌ ، لو دنا منه الوسواس احترق به، فهو كالسماء التي حُرِسَت بالنجوم، فلو دنا منها الشيطان ليتخطاها رُجِم فاحترق “.
وذكر في الصفحة 109 : ” وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : ” إنَّ في الدنيا جَنَّةً من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة “.
إنّ خير ما نستدِلّ به على قولنا أنَّ الطيبوبة صفة المؤمن، الحديث الذي جاء في كتاب المُسند للإمام أحمد : ” والذي نفسُ محمد بيده، إن مَثَل المؤمن لكمَثَل النَّحلة، أكلَتْ طيبًا، ووضعَتْ طيبًا، ووقعَتْ فلم تكسِرْ ولم تُفسِدْ ”..
هذه النّحلة الصغيرة لاتضع إلاّ طيِّباً ، ومادام شأنها كذلك فهي خير مايُشَبه به المؤمن الطيب، ووجب على كل مؤمن يخشى الله ويتقيه بالغيب، ويؤمن بيوم الحساب أن يسلك سبيل ربه ويفعل الخير أينما حل وارتحل. فالمؤمنون ليسوا كالكفرة الفجرة، لهم أخلاق وأعمال تُميزهم عن الأشرار والفُجَّار، ومن بين صفات المؤمنين التي يتشاركها مع النحل نذكر ما يلي :
١. الكسب الطيب :
كالنحلة يأخذ المؤمنين الرحيق من الأزهار ، فالإنسان الخيّر لايقرب الحرام والمال الحرام. ولو كثر في زماننا هذا الربا والكسب السيء، ورغم كل هذه الفتن والإغراءات ، المؤمن حقّاً لايقرب أموالاً لاتحل له، ولايأكل السُّحت بصفة عامة: المال وكل مالايِحلّ التنفع به.
٢.الكلم الطّيِّب :
تأمل معي كيف يعمل النحل بشكل مُنظّم وبصمت إلا أن يضع العسل اللذيذ المفيد للجسد البشري. فكذلك من كان همه إرضاء ربه، فليعمل في صمت ولايشكو ظلم الناس وتقلبات الدنيا. ومالنا ألا نرضى ولانُكثر الشكوى ولو كنّا في البلوى، والله الولي، يتولى المؤمنين.
٣.العطاء الطَّيب :
ونحن نتذوق العسل الذي أفرزته حشرة صغيرة الحجم، نتعلم ونفهم من عطائها أننا مطالبون بالتحلي بمكارم الأخلاق مثل السّخاء والعطاء، ويحدث ألاّ تعطي النحلة عسلاً لظروف من بينها: النار والغبار مثلاً، فكذلك المؤمن يحدث ألا يقدم عطاءً إذا لفحته نار الشهوات وغبار الفتن. في مثل تلك الظروف يلزمه تفاديها اقتداءً بسلوك النحل فهو لايقرب إلاّ الأزهار الفواحة، لا فيها دخان نيران ولا فيها غُبار ثيران.
٤.التعاون الطيب :
مما يُنسب إلى علي رضي عنه ما ورد في سنن الدارمي : ” كونوا في الناس كالنحلة في الطير؛ إنه ليس من الطير شيءٌ إلا وهو يستضعفها، ولو يعلم الطيرُ ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها، خالِطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم، وزايِلوهم بأعمالكم وقلوبكم؛ فإن للمرءِ ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع مَن أحَبَّ ”.
تلكم إذن إيحاءات من النحلة التي أوحى إليها ربنا أن تتخذ من الجبال بيوتاً ومن الشجر و من أبنية الإنسان والسقف المرفوعة. وفي كتاب الله العزيز العديد من الآيات التي يعدنا فيها ربنا وعداً حسناً وميعشة هنئة.
وعد الله المؤمن والمؤمنة بالسعادة في الدنيا والآخرة ، فلنحمده سبحانه وتعالى على نعمه الظاهرة والباطنة، وكتاب الله كله أنوار وبركات ، وخير ما نختم به مقالنا، الآية الكريمة من سورة النحل :
“ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . ” النحل ٩٧










إرسال تعليق