من موائد الأرض إلى مدار القمر الكسكس المغربي يكتب فصلاً جديدًا في سردية الفضاء

  • الكاتب : سيداتي بيدا
  • بتاريخ : 8 أبريل، 2026 - 00:23
  • ريحانة برس 

    في مشهد يختزل التقاء الحضارة بالعلم، أعلنت وكالة ناسا عن إدراج طبق الكسكس المغربي ضمن الوجبات المعتمدة لرواد مهمة أرتيميس 2، في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز حدود التغذية إلى عمق التجربة الإنسانية في الفضاء. هناك، حيث تتلاشى التفاصيل اليومية ويصبح الزمن مختلفًا، يبرز الطعام كجسر خفي يصل الإنسان بجذوره الأولى.

    لم يعد إعداد قوائم الطعام في الرحلات الفضائية محكومًا فقط بمعايير السعرات والتخزين، بل بات يخضع لرؤية أكثر شمولًا تأخذ بعين الاعتبار التوازن النفسي والانتماء الثقافي. وفي هذا الإطار، يبدو اختيار الكسكس المغربي قرارًا ذكيًا ومشحونًا بالدلالات؛ فهو ليس مجرد وجبة متكاملة العناصر، بل رمز حيّ لذاكرة جماعية تنبض بالدفء والهوية.

    يمتاز الكسكس بتركيبته المتناغمة التي تجمع بين الحبوب والخضروات والبروتين، ما يجعله ملائمًا من الناحية الغذائية لمتطلبات الفضاء. غير أن قيمته الحقيقية تتجلى في قدرته على استحضار الإحساس بالألفة، وهو عنصر نادر في بيئة يغلب عليها الصمت والعزلة. فداخل مركبة تحلّق في مدار القمر، قد يكون لطبق مألوف القدرة على كسر رتابة الأيام وإعادة التوازن العاطفي لروادها.

    وتشير دراسات في مجال التغذية الفضائية إلى أن التنوع الغذائي، خصوصًا حين يرتبط بخلفيات ثقافية متعددة، يسهم في تحسين المزاج وتعزيز القدرة على التكيف مع الضغوط. من هنا، يصبح إدراج طبق تقليدي مثل الكسكس جزءًا من استراتيجية دقيقة تهدف إلى دعم الأداء البشري في ظروف استثنائية.

    كما يعكس هذا التوجه انفتاح المؤسسات العلمية الكبرى على التراث الإنساني، وإدراكها أن استكشاف الفضاء ليس مجرد سباق تقني، بل مشروع حضاري شامل. فبينما تسعى البشرية إلى توسيع حدودها خارج الأرض، تحمل معها أيضًا قصصها ونكهاتها وطقوسها اليومية.

    في نهاية المطاف، لا يمثل حضور الكسكس المغربي في مهمة “أرتيميس 2” مجرد تفصيل عابر، بل لحظة رمزية تؤكد أن الإنسان، حتى وهو يعبر الفضاء، يظل مشدودًا إلى جذوره. إنها حكاية طعام يعبر المدارات، ليذكّرنا بأن أعظم الرحلات تبدأ دائمًا من تفاصيل صغيرة، لكنها عميقة الأثر.