مقتطف من كتاب مسيرة في عوالم الجهادية لأنور أديب

0

أنور أديب – rihanapress

عجيب كيف تتصادم الإرادات وتتجادل الأفكار ، صحيح… فالتاريخ هو ذلك الصدام! تتصادم حتى يتسنى ان نستمتع بالعرض، حتى يتحرك الخيال، ويلح الفكر متسائلا:

عن الدوافع والعلل، حزينا مؤملا في الغايات والنتائج.

كل تجربة انسانية جزء من هذا المشهد وقطعة منه.

تختلف المشاعر التي نختبرها بطبيعة التجارب، مشاعر الحب والفراق متباينان، والحرب و السلم والحرية والسجن كل واحد منهما لا شبيه له بالآخر. فتاريخ البشرية متعدد الألوان اذا استعرض المرء في ذهنه ملابس الناس وأزيائهم العسكرية والمدنية في كافة القرون.

قدرة الإنسان وميزته في إمكانية ان يشرك غيره في هذه الأفراح و المآسي عبر حديثه وقلمه. (خلق الإنسان علمه البيان. الآية).

يقال أن ثقل المصيبة على قدر جهلنا بمصدرها ومعناها، وتخف وطأتها بقدر فهم هذين البعدين… تتحرك عجلة التاريخ دافعة الجميع إلى مصائر يبدو أنها تشكل ألوانا باهتة في تصميم الوجود وبها اكتماله… وهل يبقى ما نتعزى به إزاء كل هذا؟

يتوقف ذلك على وجهات النظر… قد تصيح مخترقا سكون الكون، كيف يمكن للخير أن يأتي بالشر؟ وما المغزى من وجود الشر سواء الوجودي او الاخلاقي…

يبدو أن الخيال قد جمح بي هه! ولكن ماذا تنتظر من شخص أحاطت به جدران سميكة، عزلته عن صخب الحياة، عن مسؤولياته…

داخل المصيبة والبلاء يوجد شيء من العزاء، فالخطوط المكتوبة على الحيطان اوحيت إلى الإنسان حتى يقول انه مر من هنا، وربما أراد ان يواسي غيره، قد لم تخطر بباله حين كان ينقشها بعبارات عبر لغات متنوعة تتخذ صورًا أدبية، فالشعر وبعض المقولات الدينية وجمل حكيمة، وبعض الرسومات، أشبه ما تكون بتلك التي أتاحت لعلماء الآثار وهم يدققون على سطوح تلك الكهوف التي استوطنها الإنسان الأول مدونا ما يوحي أنك أمام عالم متكامل فيه من كل عناصر دراما الحياة!.

العشاء على النار، والإضاءة خافتة تشير إلى نفاذ البطارية، فالنور ذهب مع خروج النظام، التخريب الذي طال نقاط توزيع الكهرباء، بعدها باتت قطع مفككة في أسواق تركيا، المنطقة يلفها السواد كلما أطرق الليل، تزين السماء وتتخللها نجوم بعيدة، مصابيح أعياها الجهد هنا وهناك منبعثة من منازل من تبقى، أو حجبتها اغطية سميكة مخافة أن يتسرب نورها حتى لا تكون هدفا للقصف ..

هذه ضريبة يدفعها شعب أراد أن يتحرر من الظلم، هكذا قال أبو الزبير، كان يفرك يديه بشدة أملا في تدفئتها، الطريق طويل من المكان الذي نرابط فيه إلى هنا، نبعد عنكم ساعتين فوقة دراجة نارية لا تحجب عنا برودة الهواء، لقد نال منا، أشعل يا اخي تلك الصوبا، أحضر أبو إسراء كومة من الحطب المتكوم خلف الباب، دفعها نحو مدخلها، لحظات وطقطقة العيدان تتصاعد كأنها فرقة موسيقية، لقد استعادت الغرفة دفئها..

سأتوضأ قال أبو أحمد، سنصلي جمع تقديم المغرب مع العشاء، انطلق صوت معترض من الغرفة المجاورة، وهل انتم مسافرون حتى تجمعوا؟

هناك من أفتى من الفقهاء باعتبار النية، وانا نويت السفر لا الإقامة.

وهل سترجع إلى بيتك؟ ليس كذلك، ولكن ربما اضطر للسفر إلى مكان آخر للجهاد في سبيل الله، انطلق على إثر هذا الحديث جدال بين البقية، توقف بعد النداء الذي صدر من المطبخ بأن العشاء جاهز. طويت المسألة، تسارع الجميع إلى حيث تنبعث الرائحة، وكما يقال: إذا حضر الطعام رفع الكلام.

كان جهاز الإرسال لا ينفلت من يد أبو أنس الجزراوي وهو يتابع من مقره أحداث المعركة، كانت ملامحه متوترة حين أعلن عبر الجهاز ان صديقه ورفيق رحلته من أفغانستان قد أصيب بشظايا على مستوى بطنه أحالته إلى وضع حرج في مشفى حدودي، ظننا وقتها أن فرص نجاته ضئيلة، لكن الحياة تشبتت به وقررت أن تسلمه إلينا بهيئة تنبئ عن رجل عائد من الموت… لا تزال بشاشته وهو يستقبل الوجوه لم تتحول عنه، إلا أن فترات الصمت طغت عليه، كأن أحدا أنبأه أن خريف العمر قد اقترب، حتى علم بعدها ان طائرة بدون طيار تابعة للتحالف استهدفته وهو في سيارته، وقد تورط في الذهاب معه مغربي لم يكن في لائحة الاغتيال، لكنه وجد في المكان غير المناسب في الوقت غير المناسب، قتل على إثره، فقد كانت ساحة سوريا أرضا لقنص بقايا القادمين من أفغانستان، كلهم نالت منهم صواريخ التحالف، أبو عبد الله الجزائري، أبو عبد الله التونسي وأخرين…

بقيت طرائد الصيد التي سحبها تنظيم الدولة إلى كهوفه بلا حارس، آثر السلامة على هلاك متوقع، أو ربما هي أوامر لا تقبل النقاش بالخروج، فجر أذياله بدون تلك الأسلحة والغنائم والسيارات التي غزتها أسراب النسور، كم بذلت من الجهد والدماء حتى تراكم كل ذلك، فجأة تدفق كل شيء من بين الأصابع، كأنها تمسك بحفنة ماء، أشبه برسالة بعثها القدر…

وأنا أقف على الخيط الفاصل بين الحياة والموت تستيقظ حواسي النائمة، وتخرج إلى سطح الوعي، كل الثورات معمدة بالدم، باتت الكتب أغلفة فارغة والكلمات هربت من صفحاتها لتصير رجالا مقاتلين، إن الحروف خرجت إلى الشوارع لتمارس حياتها الخاصة، صارت مقاتلين يحولون الأفكار إلى سلوك، سأفكر بأن الذي امامي كان ذات يوم طفلا بريئا، سأفكر بأنه لم يصنع من نفسه الوحش الذي أراه، وإنما هي عوامل كثيرة خارجة عن ارادته …لم يعد الانهيار العصبي مرض المترفين، إنه الآن مرض إضافي لأمراض الكادحين، الشكوى بالصراخ من حال البلد، حياة مهددة بالموت، أولئك الجالسون فوق أكياس الرمل وفي أيديهم البنادق، الا يعلموا أن وجودهم اقل ثباتا من أكياس الرمل، كأن أجسادنا محشوة بالرمل وفيها ثقب الزمن ينزلق منه الرمل باستمرار، ولماذا يخلقون في أجساد بعضهم مزيدا من الثقوب لمجرد أن الزعيم أمرهم، وأقنعهم عبر خطبة بليغة يغطي بها مصالحه مع زعيم الفئة الأخرى، كم هو مفجع مصير أولئك الصغار الذين يتوهمون أنهم يقومون بعمل أخلاقي، والمعنى الوحيد لموتهم هو زيادة تسلط أمراء الحرب…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.