الكاتب : سيداتي بيدا
بتاريخ : 7 يناير، 2026 - 14:26
الزيارات : 172
ريحانة برس
ليست كرة القدم، في معناها العميق، أكثر من لعبةٍ جميلة وُلدت لتوحيد المشاعر قبل أن تستفزّها، وللاحتفاء بالفرح الجماعي قبل أن تُزَجّ بها في دهاليز التوتر والخصومة. غير أنّ ما نشهده أحيانًا في فضائنا المغاربي، وتحديدًا في العلاقة بين المغرب والجزائر، يكشف كيف يمكن للرياضة أن تُحمَّل ما لا طاقة لها به، فتتحول من مساحة تنافس نبيل إلى مرآة تعكس أزمات أعمق وأعقد.
إن الإشكال لا يكمن في التنافس الرياضي ذاته، فهو ظاهرة صحية ومشروعة، بل في الكيفية التي يتم بها استثماره سياسيًا وإعلاميًا، حتى يصبح أداة لإعادة إنتاج خطاب الشك والعداء. عندها، تُختزل علاقات تاريخية ضاربة في العمق في تسعين دقيقة، وتُقاس أخوة الشعوب بنتيجة مباراة، وكأن الذاكرة المشتركة يمكن محوها بصافرة حكم.
لقد جمع بين الشعبين المغربي والجزائري ما هو أرسخ من كل صراع عابر: جغرافيا واحدة قاومت التقسيم، وتاريخ مشترك صاغته المعاناة والأمل، ولغة ودين وثقافة صنعت وجدانًا متقاربًا وإن اختلفت التفاصيل. غير أنّ الحدود التي رسمها الاستعمار لم تكتفِ بتقسيم الأرض، بل امتدت إلى الوعي، فحوّلت الاختلاف السياسي إلى قطيعة نفسية، وأفسحت المجال أمام سرديات تتغذى على الريبة بدل الثقة.
في هذا السياق، تصبح كرة القدم مجرد مسرح تُسقط عليه صراعات لا تخدم الجماهير ولا تعبّر عن مصالحها الحقيقية. فالشعوب، في جوهرها، لا تتخاصم؛ الذي يتخاصم هو الخطاب، وتتصادم هي الصور النمطية التي تُغذّى بعناية في لحظات التوتر. أما الإنسان البسيط في المغرب أو الجزائر، فحلمه واحد: كرامة، استقرار، ومستقبل أفضل لأبنائه.
من هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة عقلانية هادئة، تُعيد الاعتبار لقيمة الإنسان قبل الانتصار، وللوحدة الثقافية قبل الحسابات الضيقة. خطاب دبلوماسي راقٍ، لا يُنكر الخلافات ولا يهوّنها، لكنه يضعها في إطارها الطبيعي، بعيدًا عن التحريض والإساءة وتغذية الانفعال الجماهيري.
إن الشعبين المغربي والجزائري أكبر من مباراة، وأعمق من خلاف ظرفي، وأسمى من أن يكونا وقودًا لفتنة عابرة. وكل تحية وتقدير لهذين الشعبين العظيمين، اللذين يستحقان مستقبلًا يقوم على التكامل والتعاون، لا على التنافر والتجاذب. أما أصوات الفتنة، فمصيرها الخفوت، لأن ما يجمع الشعوب، في نهاية المطاف، أقوى وأبقى من كل ضجيج.
المصدر : موقع ريحانة برس
إرسال تعليق