كأس عالم للأثرياء فقط؟ عندما تتحول التأشيرة إلى أداة إقصاء ممنهج

  • الكاتب : سيداتي بيدا
  • بتاريخ : 26 مارس، 2026 - 12:40
  • ريحانة برس 

    في سابقة تضع مصداقية الرياضة العالمية على المحك، تكشف المعطيات الأخيرة عن واقع صادم: حضور كأس العالم لم يعد حقاً جماهيرياً، بل امتيازاً مالياً باهظ الكلفة. فباسم الإجراءات الاحترازية، تفرض الولايات المتحدة على مواطني دول معينة إيداع ضمانات مالية تصل إلى 15 ألف دولار للحصول على تأشيرات سياحية، في خطوة لا يمكن قراءتها إلا كآلية إقصاء صريحة مقنّعة بذرائع تنظيمية.

    هذا الإجراء، المدرج ضمن ما يسمى “برنامج تأشيرة الضمان التجريبي”، لا يطال دولاً هامشية في الحدث، بل يمتد ليشمل جماهير منتخبات مؤهلة رسمياً لكأس العالم، من بينها السنغال، تونس، ساحل العاج، والرأس الأخضر. وهنا تتجلى المفارقة الصارخة تفتح الملاعب للاعبين، بينما تغلق الأبواب أمام شعوبهم.

    إن تبرير هذه السياسة باعتبارات الهجرة أو الأمن لا يصمد أمام التحليل الموضوعي؛ إذ أن فرض شرط مالي بهذا الحجم لا يستهدف المخاطر بقدر ما يعاقب الانتماء الجغرافي والاقتصادي. إنها، ببساطة، سياسة انتقائية تفرغ الرياضة من بعدها الإنساني، وتحولها إلى فضاء طبقي مغلق.

    الأكثر إثارة للجدل هو ما يتردد عن ضغوط يمارسها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لإعفاء اللاعبين والوفود الرسمية من هذه القيود. هذا التحرك، وإن بدا منطقياً من زاوية تنظيمية، يكشف ازدواجية مقلقة حماية النخبة الرياضية مقابل تجاهل الجماهير، وكأن المشجع عنصر ثانوي لا قيمة له في معادلة النجاح.

    غير أن الحقيقة التي لا يمكن الالتفاف عليها هي أن الجماهير ليست تفصيلاً، بل هي قلب اللعبة النابض. 

    وإقصاؤها بهذا الشكل يهدد جوهر كأس العالم، ويحوّله من تظاهرة كونية جامعة إلى عرض انتقائي يخضع لمعايير القدرة المالية لا الشغف والانتماء.

    إن استمرار هذه السياسات دون مراجعة حازمة لا يمثل فقط إخفاقاً تنظيمياً، بل سقوطاً أخلاقياً مدوياً. فالدولة المستضيفة، كما الهيئات المنظمة، مطالبة بتقديم إجابة واضحة هل ما زال كأس العالم حدثاً للشعوب، أم أنه تحول إلى امتياز حصري لمن يستطيع الدفع؟

    في النهاية، لا يمكن للرياضة أن تدّعي العالمية وهي تمارس الإقصاء. العدالة ليست شعاراً يُرفع، بل التزام يختبر، وما يحدث اليوم هو اختبار حقيقي قد يعيد تعريف معنى “العالمية” في كرة القدم إما كقيمة جامعة، أو كواجهة تخفي تمييزاً صارخاً.