الكاتب : عبد الوفي العلام
بتاريخ : 8 ديسمبر، 2025 - 17:36
الزيارات : 510
ريحانة برس
في خطوة تُعد من أبرز المحطات في ورش الإصلاح الشامل لمنظومة العدالة بالمغرب، دخل اليوم الإثنين القانون رقم 03.23 المتعلق بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 الخاص بالمسطرة الجنائية حيز التنفيذ الرسمي، بعد نشره في الجريدة الرسمية عدد 7437 بتاريخ 8 شتنبر 2025.
هذا القانون، الذي لقب نقاشات واسعا قبل تنزيله اعتبره من قام بصياغته أوسع إصلاح في مجال المسطرة الجنائية منذ عقود، يعيد رسم ملامح العدالة الجنائية عبر تعزيز الحقوق والحريات، وتحقيق النجاعة في الإجراءات القضائية، مع التركيز على الرقمنة والتعاون الدولي. واعتبرته المنظمات الحقوقية بالمغرب تراجعا عن الحقوق والحريات.
خلفية الإصلاح: استجابة لتوجيهات ملكية ودستورية
يأتي هذا القانون كترجمة للتوجيهات السامية للملك محمد السادس، الذي دافع في خطبه عن تحديث السياسة الجنائية وضمان عدالة ناجعة وفعالة. كما ينسجم مع روح الدستور المغربي لسنة 2011، الذي يجعل حماية الحقوق والحريات الأساسية ركيزة أساسية لبناء الدولة الديمقراطية الحديثة. وفقاً لوزارة العدل، يشمل القانون تعديل ما يقارب 421 مادة، مما يجعله أكبر عملية تطوير تطال النص التشريعي منذ إقراره الأولي في 2002.
أشادت الوزارة بهذا الإصلاح كـ”محطة مفصلية”، مشيرة إلى أنه يركز على ثلاثة محاور رئيسية: تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، تحقيق النجاعة والرقمنة في الإجراءات، واستشراف وسائل حديثة لمحاربة الجريمة مع تعزيز الأمن القضائي.
أبرز التعديلات: بين المكاسب الحقوقية والتحديثات التقنية
جاء القانون بحزمة من التغييرات الجوهرية تهدف إلى توازن بين فعالية العدالة وحماية حقوق الأفراد. من أبرزها:
– تعزيز حقوق الدفاع وقرينة البراءة:
فقد أصبح إخبار المشتبه بهم بحقوقهم إلزامياً فور الحراسة النظرية، مع توفير محامٍ وخدمات ترجمة فورية. كما يُكرس القانون مبدأ البت في القضايا داخل آجال معقولة، ويوسع نطاق المساعدة القانونية لتشمل فئات أوسع.
– تقييد الاعتقال الاحتياطي:
حصر الاعتقال الاحتياطي في “أضيق الحالات”، مع إلزامية تعليل قرارات الإيداع بالسجن. حيث أُدخلت بدائل احترازية جديدة، مثل الإلزام بالإقامة الجبرية أو الرقابة الإلكترونية، للحد من اللجوء إلى السجون، انسجاماً مع الالتزامات الدولية للمغرب، خاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
– الرقمنة والتبليغ الإلكتروني:
اعتمد القانون العنوان الوارد في البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية كعنوان قانوني رسمي لتبليغ الأطراف بالإجراءات القضائية، مما يعزز السرعة والشفافية في الإجراءات.
– تعزيز صلاحيات النيابة العامة:
أُعطيت النيابة صلاحيات أوسع في إجراء التحريات الأولية، خاصة بشأن الوشايات المجهولة المصدر، مع مسطرة خاصة لجرائم المال العام بناءً على إحالات المؤسسات الرقابية. كما أُنشئ مرصد وطني للإجرام لتوجيه السياسة الجنائية على أسس علمية.
– التعاون الدولي والجرائم العابرة للحدود:
في هذا المجال خُصص كتاب خاص بالاختصاص في الجرائم المرتكبة خارج المملكة، مع تعزيز آليات التعاون الجنائي الدولي.
هذه التعديلات، التي تشمل أيضاً تقليص مجال التحقيق الإعدادي في الجنح والجنايات، تهدف إلى تسريع الإجراءات وتقليل الخصاص في المحاكم، الذي يعاني من تزايد عدد القضايا.
الانتقادات والملاحظات الحقوقية: بين الإيجابيات والتحديات
رغم الترحيب العام بالإصلاح، أصدرت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان مذكرة ترافعية مفصلة، تسجل ملاحظات جوهرية. وفقاً للمنظمة، يتناقض بعض البنود مع المادة 40 و49 من القانون السابق، خاصة فيما يتعلق بصلاحيات النيابة في تلقي الشكايات والتحريك التلقائي للدعوى العمومية، بغض النظر عن مصدر المعلومات. كما دعت إلى معالجة إشكالية الاعتقال الاحتياطي بمقاربة شمولية تحقق التوازن بين فعالية العدالة وحقوق الأفراد، مع التأكيد على قرينة البراءة كحق أصيل.
واقترحت المنظمة إصدار نص تشريعي جديد مستقل للمسطرة الجنائية بدلاً من التعديلات المجزأة، لضمان الانسجام التشريعي وتفادي الارتباك في التطبيق. كما شددت على ضرورة تنزيل متدرج وواعٍ للقانون، يراعي الإكراهات الواقعية، ويوجه التشريع نحو خدمة العدالة لا الاكتفاء بتحديث شكلي.
من جانب آخر، أثارت النقاشات خلال المسار التشريعي مخاوف من توسيع صلاحيات النيابة دون ضمانات صارمة كافية، مع التحذير من أن التطبيق العملي سيكون الفيصل في نجاح الإصلاح.
الرهانات المستقبلية: نحو عدالة أكثر نجاعة
مع دخول القانون حيز التنفيذ، يبقى التحدي الأكبر في تنزيله الفعلي، خاصة في ظل الحاجة إلى تكوين القضاة والوكلاء والمحامين على البنود الجديدة. يُتوقع أن يساهم هذا الإصلاح في تقريب العدالة من المواطن، وتعزيز الثقة في المنظومة القضائية، لكنه يتطلب متابعة دقيقة لضمان عدم تحول الإجراءات إلى أدوات تقييدية.
قانون المسطرة الجنائية الجديد اعتبره البعض خطوة جريئة نحو عقلنة العدالة الجنائية بالمغرب، لكنه يفتح أبواباً لنقاش مستمر حول كيفية تحقيق التوازن بين الأمن والحريات. سيظل الوقت القادم اختباراً حقيقياً لمدى نجاح هذا الإصلاح في بناء نظام قضائي يحمي الجميع.
المصدر : موقع ريحانة برس
إرسال تعليق