الكاتب : سيداتي بيدا
بتاريخ : 28 نوفمبر، 2025 - 15:02
الزيارات : 145
ريحانة برس
في زمن تتقاطع فيه سلطة الشاشة مع هشاشة الوعي، يصبح أي انزلاق داخل الفضاء الرقمي أكثر خطراً من مجرد تجاوز فردي؛ إنه تهديد لبنية المجتمع وقيمه واستقراره. والقضية المعروضة اليوم أمام القضاء، والتي يُتابَع فيها إلياس المالكي وفق المعطيات الرسمية المتداولة، تمثل مثالاً صارخاً على الخط الفاصل بين حرية التعبير ومسؤولية صون النسيج المجتمعي. فبينما تبقى قرينة البراءة ثابتة لا يُجادَل فيها، فإن حجم التهم الموجهة وما تثيره من نقاشات يعيد فتح ملف الانفلات الرقمي بكل ما يحمله من شروخٍ ازدادت اتساعاً في السنوات الأخيرة.
لقد تحوّلت المنصات الاجتماعية إلى فضاء يتجاوز مجرد التعبير، ليُصبح مجالاً لبناء الرأي العام وخلق نماذج تحتل موقعاً مؤثراً في حياة الناس، خاصة الشباب منهم. وهنا تكمن الخطورة: حين يسقط بعض المؤثرين في مستنقع المحتوى الهابط أو التحريض أو المس بالحياة الخاصة أو الترويج لسلوكيات تخدش القيم، يصبح السكوت تفريطاً لا يقل خطورة عن الفعل نفسه. لذلك تأتي المتابعات القضائية، في إطارها القانوني، رسالةً لا تحتمل التأويل: لا قداسة لمؤثر فوق القانون، ولا حصانة لأي محتوى مضرّ بالسلم الأخلاقي والاجتماعي.
إن خطورة المرحلة تستوجب صرامة تفرض الاحترام، وردعاً يعيد الانضباط إلى فضاء انفلت زمامه، إذ لا يمكن لمجتمعٍ يسعى إلى التنمية والاستقرار أن يسمح بتحويل أدوات التواصل إلى معامل لإنتاج السلوك المنحرف والتحريضي. فالقانون ليس مجرد نص مكتوب، بل هو درع المجتمع حين تتجرأ الفوضى على اقتحام قيمه.
ومع ذلك، يظل التمييز ضرورياً بين المسار القضائي الذي سينتهي بحكم عادل، وبين الحاجة إلى قراءة نقدية للواقع الذي جعل مثل هذه الحالات ممكنة. فالمشكل ليس شخصاً واحداً، بل منظومة كاملة من الاستهلاك الرقمي الغافل، والثقافة السطحية، وغياب الوعي الإعلامي لدى فئات واسعة من الشباب. ولذلك، فإن الردع الحقيقي يبدأ من تحصين العقل قبل معاقبة الفعل، ومن تعزيز التربية الرقمية، ومن إشراك الأسر والمؤسسات التربوية والإعلامية في معركة حماية الوعي الجمعي.
القضية اليوم أكبر من محاكمة فرد؛ إنها محاكمة مرحلة كاملة أصبح فيها النفوذ الرقمي أقوى من أي تأثير تقليدي. وما لم نواجه هذا الواقع بوعي وحزم، سنستيقظ يوماً على مجتمع تتصدر قيادته أصوات الهشاشة والعبث.
إن الرسالة التي ينبغي أن تُقرأ بوضوح:
منصات التواصل قد تكون جسراً للنهضة أو بوابة للانهيار… والاختيار يبدأ من صرامة القانون، ويكتمل بصلابة وعي المجتمع.
المصدر : موقع ريحانة برس
إرسال تعليق