0

ريحانة برس – عبد الله تخشي

يعيش العالم الشهر الثامن من حرب إسرائيل على غزة والتي أدت الى سقوط ألاف من الأرواح معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ إضافة الى الخسائر الهائلة في البنايات التحتية كالمتشفيات والطرق والمعالم الحضارية والمنازل والمدارس والمساجد والكنائس، ورغم كل ذلك ورغم أن الأرواح البشرية لاتزال تسقط في غزة فان ذلك لم يحرك ساكنا في ضمائر اللوبيات والقوى الدولية والسياسية المؤثرة في الصراعات العالمية وخاصة في الشرق الأوسط.

تحولات سياسية دولية في القضية الفلسطينية

رغم الألم الذي لحق بالفلسطينيين جراء تداعيات الحرب الإسرائيلية الوحشية عليهم ورغم خدلان المجتمع الدولي ومؤسساته والقوى المؤثرة لهم بإنكاره بشكل يومي لحقوقهم, وحماية إسرائيل من القرارات الدولية ومنحها امتياز دولة فوق القانون، إلا ان ذلك له انعكاسات إيجابية بعيدة المدى على القضية الفلسطينية والشرق الوسط والعالم أجمع، وخططت له المقاومة الفلسطينية العظمية عندما أقدمت على هذه الخطوة الشجاعة والتي يعتبروها بعض المتنكرين والمنافقين والمتلاعبين بأنها حماقة ومغامرة لأسباب لايسعنا ان نذكرها في هذا المقال .

1-عودة القضية الفلسطينية الى صدارة انشغالات الرأي العام العالمي بشكل غير مسبوق

عرفت القضية الفلسطينية منذ وقت ماض تعاطفا عالميا واسع النطاق بسبب عدالة المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني من جهة، ومن جهة أخرى بسبب الصمود الهائل والمستمر في وجه أكبر قوة دولية هي الولايات المتحدة، لكن التعاطف مع القضية الفلسطينية بلغ مستويات قياسية منذ احداث 7 أكتوبر 2023 , ووصل مستوى التعاطف الى عمق بريطانيا والدول الأوروبية والولايات المتحدة حيث انتفض أبناء النخبة الامريكية والسياسيين والإعلاميين والمؤثرين في وجه

الغطرسة الممارسة في غزة وعبروا عن سخطهم من الدعم المالي والعسكري اللامشروط واللامحدود لإسرائيل.

وما ان انتفاضات طلبة وأساتذة كبريات الجامعات العالمية إلا تعبير عن الحراك المجتمعي والانتفاضة الشعبية ضد إسرائيل.

وبالتالي فان حجم الدمار والخسائر في الأرواح تحولت الى نقطة قوة وطريق نحو التحرر والكرامة والعدالة.

2-الاعترافات المتوالية بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية اعترفت عدة دول بدولة فلسطين على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وكانت الدول المنضمة الى الدول المعترفة بفلسطين كلها من قارة أمريكا اللاتينية، ومن المقرر ان تنضم دول أخرى الى سلسلة الدول المعترفة بفلسطين، ويجري الحديث حاليا عن سعي اسبانيا ومالطة وبلجيكا وسلوفينيا الى الانضمام الى الدول المتعرفة بدولة فلسطين بناء على قرار الأمم المتحدة رقم 181 بشأن تقسيم فلسطينيين الى دولتين مستقلتين، عربية ويهودية.

    لكن تزايد الضغوط الامريكية الخفية وجماعات الضغط يضع خيار الاعترافات امام المحك وأمام تحديات صعبة تستدعي مزيد من الصمود والدهاء السياسي لتجاوزها.

وذلك لم يكن ليحصل لو لا المقاومة الذي اخترت الحل العسكري والسياسي والاقتصادي في ان واحد كسبيل لمواجهة الاحتلال وداعميه ومن يؤتر فيه.

2- الشعب الفلسطيني يتحرر من قيود أوسلوا وبعده

يعرف اتفاق أوسلوا بانه الاتفاق الذي جرى بين الفلسطيين بقيادة منظمة التحرير مع إسرائيل في التسعينات من القرن الماضي بواسطة الولايات المتحدة في ظل إدارة بيل كلينتون، ومن بنود ومخرجاته انشاء سلطة وطنية فلسطينية انتقالية في الضفة الغربية وقطاع غزة تتولى إدارة وتدبير شؤون الفلسطينيين في مختلف المجالات من التعليم والممتلكات العقارية والأراضي والثقافة والشؤون الاقتصادية الخ، الى حين التوصل الى الحل النهائي والشامل عبر المفاوضات تؤدي الى دولة فلسطينية مستقلة في أراضي حدود 1967 تعيش الى جنب إسرائيل لكن لم يتحقق أي شيء من ذلك , فلم يتوقف الاستيطان وعدوان المستوطنين, والسلطات الإسرائيلية تستمر في هدم المنازل والاعتداء على المقدسات الإسلامية , والإدارات الأمريكية المتعاقبة لم تبدي أي منها أي مسعى جدي في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على نحو ينصف ويعد الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني , ويضع حد للخروقات الإسرائيلية المتواصلة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

وبعد عملية 7 أكتوبر وأخد حركة حماس زمام المبادرة ومواصلة الكفاح الذي تنازلت عنه حركة فتح وغيرها، كان لذلك تأثير إيجابي على القضية الفلسطينية والشرق الأوسط بشكل عام، لأنه بعد قرابة الشهر الثامن من العدوان على غزة يظهر بانه تغيرت معادلات كثيرة في الشرق الأوسط بسبب تغير موازن القوى في المنطقة، حيث ان خيار الحرب والمقاومة الذي اختارته المقاومة الفلسطينية أزال كل القيود والعوائق والنظم السلبية التي وضعتها القوى العالمية في المنطقة من أجل مصالحها , فالرغم من حجم الدمار المهول والخسائر البشرية التي تتواصل في قطاع غزة الى ذلك وكما يظهر الان نفع غزة والانسان العربي اكثر مما يضره او قد يضره اذا صبونا نظرانا ووجهنا بصيرتنا الى المستقبل البعيد , حيث ازالت المقاومة كل العوائق والخطوط الحمراء والنظم التي كانت تؤطر الصراع العربي الإسرائيلي من حدود وخسائر بشرية وموازن القوى ورغبات الإدارات الأمريكية الخ , وخير ذليل على ذلك الزيارات المستمرة لمسؤولين أمريكيين وأوربيين الى إسرائيل والدول العربية المجاورة لها من اجل الحيلولة دون توسع رقعة ودائرة الصراع ليعم المنطقة ويهدد الامن والاستقرار فيها الخ , وهذا يدل على ان حركة المقاومة في غزة لم يشكل وجودها تهديد فقط بالسنبة لإسرائيل ونظامها فحسب, بل أصحب وجودها يهدد كل القواعد واللترتيبات والشبكات العنكبوتية التي يؤطر بها النظام العالمي الشرق الأوسط.

ومن تجليات ذلك أيضا الوجود الخفي للجنود الأمريكيون في ساحة المعركة ضد حماس، وأيضا الزيارات المتوالية لمسؤولين استخباراتيين أمريكيون لإسرائيل وهذا يدل على أن هناك أمور خفية في هذا الصراع، ويتجاوز حجمه وقوته ما تتصوره وسائل الإعلامية وتنقله وما يقوله السياسيون الخ.

وبعد ثمانية اشهر من الحرب نرى انتفاضة عالمية ضد اللوبي الإسرائيلي في كل بلد من البلدان الغربية , وتحولت رؤية الشعوب ومختلف القوى إزاء القضية الفلسطينية مقابل تزايد الغضب ضد إسرائيل والحكومات الغربية , فلم يعد أحد ينخدع بلعبة معاداة السامية وغيرها, فأصبحنا نرى تحولا عالميا غير مسبوق في العصر الحديث تجاه فلسطين , ومن شأن هذا التحول ان يؤدي الى سلسلة من التحولات الأخرى , فالأكيد ان هناك الكثير من الأرواح الغالية فقدت في غزة ولازالت تفقد ,الا انه كما يقال دائما , لابدا لأي معركة من التضحيات ولامجال للاستسلام حتى يتحقق النصر , فالمعارك يكتسبها اللذين لا يستسلمون ابدا تحت أي ظرف او تهديد , فكلما ارتفع عدد الموتى الا وارتفع معه حجم التأييد والتعاطف تجاه القضية الفلسطينية , وبمعنى فالأموات سينتصرون لفلسطين مثل الأحياء , فاد اكان النظام العالمي جعل من بداية القرن الواحد والعشرون عصر التغيرات التي استهدفت القضية الفلسطينية بشكل أساسي خاصة في ظل أحداث 11 أيلول 2001 والربيع العربي , فان القضية الفلسطينية الان هي من ستغير العالم في Regards المقبلة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.