ريحانة برس
في صباح هادئ داخل مقبرة العيون، كان صمت المكان على موعد مع صدمة هزت وجدان المجتمع، حين اكتشف متطوعون خلال حملة تنظيف، زجاجة صغيرة مدفونة بين القبور. ما كان بداخلها لم يكن مجرد أثر عابر، بل قصة مظلمة تنطوي على صورة شخص مجهول وأوراق منقوشة برموز طلاسم وسحر، مهددة قدسية هذا الفضاء المكرَّس لرحمة الموتى.
هذه الزجاجة، التي تبدو قطعة صغيرة من زجاج، تحولت إلى رمز خطير للاستغلال الخرافي الذي يعمق الجهل وينشر الرعب والفرقة في المجتمع، كما كشفت عن هشاشة بعض المعتقدات التي تُستغل في أوقات تحتاج الأرض فيها إلى صفاء الروح والسكينة.
الأمر الأكثر تدهوراً أن هذا العبث حدث في شهر رمضان، الشهر الذي يزخر بالقيم النبيلة من رحمة وتوبة وروحانية. كيف يُمكن إذن أن تتسلل الممارسات الخرافية إلى قلب هذه المقدسات الروحية؟ وكيف نسمح بأن تتحول مقابرنا إلى مسارح لأفعال تُسيء إلى هيبة الموتى وتقلق ساكني الأحياء؟
الصمت الرسمي حتى الآن يترك فراغاً يسده الغضب الشعبي والانتقادات الحادة، متسائلين: هل أصبح السحر والشعوذة ظاهرة منتشرة تستهدف تفكيك نسيجنا الثقافي والأخلاقي؟ وهل نحن مقبلون على مواجهة لا هوادة فيها مع مظاهر الجهل التي قد تُفرغ ديننا وهويتنا من معانيها الحقيقية؟
هذه الزجاجة ليست مجرّد حادثة عشوائية، بل هي جرس إنذار يدق ليوقظ ضمائر المجتمع ويحث الجميع على النهوض بمواجهة موجات الظلام التي تحاول الاستيطان في عقولنا ومقابرنا، فتشوه التاريخ وتعتدي على إنسانيتنا.
الواجب اليوم هو التسلح بالوعي والفضيلة، والوقوف صفاً واحداً لصد أفكار الغموض والشعوذة التي تفتك بعقيدة الأمان النفسي والاجتماعي. لا يجوز أن نسمح باحتلال الخرافة لما يُفترض أن يكون أماكن للرحمة والسلام، لأنها ليست فقط تستهدف الموتى، بل تهدد حياة الأحياء.
لنؤمن أن الدور المنشود اليوم يقع على عاتق كل فرد وهيئات المجتمع لتعزيز الثقافة الصحيحة، ونبذ كل ما من شأنه أن يعبث بقيمنا ويبث الرعب وسطنا. فالنقاء الروحي والاجتماعي هو حصننا الذي يحمينا من مصائد الجهل والخرافة.
زجاجة الطلاسم في مقبرة العيون لم تكن إلا نذيراً بمخاطر خفية، وحكومة السلامة الحقيقية تكمن في مقاومة هذه الظواهر بكل حزم وحكمة، حتى تبقى مقابرنا، وأرواحنا، وأبداننا، في مأمن من كل أفعال تشوه قدسيتها وتحطم رحمتها.













إرسال تعليق