الكاتب : الكارح ابو سالم
بتاريخ : 25 نوفمبر، 2025 - 14:43
الزيارات : 236
ريحانة برس
من يراقب المشهد الثقافي والإعلامي والفني اليوم، سيجد أن الجدل الأخير حول لجنة الأخلاقيات ليس سوى الشرارة التي أعادت إشعال نارٍ كانت تشتعل تحت الرماد لسنوات. الشرارة كشفت الغابة، والغابة مليئة بــ”اللجان” التي صارت عندنا أشبه بكوميساريات ثقافية تُعطي الضوء الأخضر لهذا، وتُطفئ الطريق على ذاك… بلا معايير ثابتة، وبلا محاسبة، وبلا حتى لياقة إخفاء المحاباة.
لقد عمّر المغاربة مع لجنٍ لا يُعرف كيف تتشكل، ولا لماذا تتشكل، ولا كيف تختار أعضاءها، والأهم: كيف تحكم ولماذا تحكم بهذه الطريقة؟
لجنة الأخلاقيات… المثال الصارخ
كم من متابع صُدم بطريقة تشكيل اللجنة،وبتناقضات قراراتها،واللجنة التي كان يفترض أن تُعيد الثقة، زادت من الشكوك، وأيقظت السؤال القديم-الجديد:من يختار من؟ ولماذا؟ ومن أين تأتي الشرعية؟ هذا الجدل أعاد إلى السطح تاريخاً ثقيلاً من “اللجان” التي اشتغل كثير منها بمنطق “un petit mot ” أكثر مما اشتغلت بمنطق التقييم المهني.
اللجان التلفزية… حين يصبح الإبداع “صفقة موسمية”
لنأخذ مثالاً يعرفه العاملون في المجال،بلجان انتقاء البرامج في الشركة الوطنية ودوزيم، منذ سنوات، والمشهد يكاد يتكرر بطريقة كاريكاتورية:نفس الشركات الفائزة كل عام ونفس الوجوه التي لا تُغادر اللوائح ونفس المشاريع المكررة، وكأن البلد لا ينتج غير ثلاثة كتّاب وخمسة منتجين.
وأحياناً يتم إقصاء مشاريع قوية لأنها “ ربما لا تدخل في المزاج”،أحد المنتجين قال ساخراً في كواليس الاجتماع: اللجنة ما كتحتاجش السيناريو ،فالأول كتسول على اسم الشركة بعدا..! والاغرب أن بعض أعضاء اللجان يقدمون استنتاجات عن أعمال لم يقرؤوا منها سوى السطر الأول… أو لم يقرؤوها إطلاقاً.
في السينما… لجان ناقشت أفلاماً بمنطق الهواة
أحاديث الكواليس في الوسط السينمائي كثيرة، وبعضها صار نكتة متداولة: مخرج يناقش مشروع فيلم أمام لجنة الدعم، فيفاجأ بأن عضواً يسأله عن شيء لا علاقة له بالسينما إطلاقاً، وآخر يناقش عملاً روائياً، فتأتيه أسئلة من مستوى:”علاش البطلة ما دواتش بزاف، او مشفناش ديكور واعر.ف الفيلم ..شفنا القصة ما فيهاش الكوميديا .”
وغيرها الاسئلة التي لا تحمل عمقا،علما ان العمل مجرد مشروع ، بل إن بعض الأعضاء يختزلون الفن السابع كله في ذوقهم الخاص، وكأنهم يجلسون في صالون لتبادل الانطباعات ، لا في لجنة وطنية تمنح أموالاً عامة لمشاريع ستشكل ذاكرة البلد.
وليس سراً أن لجن التحكيم في المهرجان الوطني للفيلم وُجهت إليها انتقادات قوية، خصوصاً حين فازت أفلام لا يفهم الجمهور ولا النقاد سبب فوزها، بينما تخرج أعمال قوية صفر اليدين. وفي كواليس تلك النسخ، يتردد حديث متكرر: “الفائز معروف قبل المهرجان”.
المشكلة ليست في اللجان… بل في من يعينها
حين تُشكَّل أغلب اللجان عبر شبكات العلاقات لا عبر قواعد التمثيل أو المساطر الشفافة، فالنتيجة محسومة، ان كفاءات تقصى، وتعوضها أسماء لا علاقة لها بالتخصص، يكلفون بمهمة تحتاج إلى خبرة ودراية وتجربة سابقة، وهناك من نجدهم من هؤلاء يتكررون في لجن مختلفة، وكأن الساحة الثقافية والإعلامية لم تنجب سواهم، بل تستمر لولايات طويلة أحياناً بلا سبب، فقط لأنة “اداة طيعة ”.
وهكذا تتحول اللجان إلى “هياكل فوقية” ترسم مصير قطاعات بكاملها، بينما العاملون الحقيقيون يصبحون مجرد جمهور يتابع القرارات.
خلاصة القول، أليس من حق هذا البلد أن يتوفر على لجان حقيقية، لا لجان ذات دراية، تعين وفق شروط موضوعية ،لجان تضمن التنافسية، لاالنفعية. وتشتغل بمعايير، لا بإشارات. وتؤمن بأن الإبداع يُنتج بالكفاءة… لا بالولاء.
إلى أن يحصل ذلك، ستظل اللجان رهينة بدرجة القرب من فلان وعلان كي يحصل على تذكرة المرور، ومن لا يملك لا هذه ولا تلك … يعود أدراجه مهما كان مبدعاً.
وستظل الأسئلة مطروحة: هل هذه لجان؟ أم مجرد كوميساريات ثقافية تُدار بنظام “الأوامر والتعليمات”؟ وهل ننتظر منها نتائج محترمة… أم مجرد إعادة تدوير للرداءة.
المصدر : موقع ريحانة برس
إرسال تعليق