عبد المولى المروري : حزب العدالة والتنمية وسؤال المسؤولية والمستقبل

  • الكاتب : عبد المولى المروري
  • بتاريخ : 5 ديسمبر، 2025 - 09:49
  • الزيارات : 270
  • ريحانة برس

    من السذاجة السياسية الاعتقاد بأن الإساءة اللفظية التي تلفظ بها وزير العدل عبد اللطيف وهبي في حق الأخ عبد الصمد حيكر هو تصرف معزول سياسيا، ولا يهم إلا هذا الوزير ..

    هذا التصرف الأرعن جاء متزامنا مع كلام رئيس جلسة مجلس النواب التي قال فيها عن نواب حزب العدالة والتنمية «أنتم ماركسيون على سنة الله ورسوله» (لقد كتبت مقالا تحليليا عن هذه النازلة ولا أدري هل أنشره أم أحتفظ به كما أحتفظ بعشرات المقالات بسبب الشعور بعدم الجدوى والإحباط)..

    كما جاء هذا التهجم اللفظي غير الأخلاقي متزامنا مع رفض وزير الداخلية لكل التعديلات التي اقترحها حزب العدالة والتنمية، رفض عدمي يعكس توجها رسميا لمستقبل سياسي وحقوقي قاتم..

    إن كل هذه الأحداث المتزامنة، وآخرها وقاحة وهبي ما هي إلا ترجمة حية وواقعية لنظرة الدولة لحزب العدالة والتنمية، وكلام رئيس الجلسة البرلمانية ووزير العدل، وقرارات وزير الداخلية (بصفتهم وليس بأشخاصهم) هو العقل الباطن لهذه الدولة، خرج على ذلك النحو..

    على الحزب، قيادة ونوابا ومستشارين وأعضاء، أن يتأكدوا بما لا يدع مجالا للشك أن الدولة ترفضهم، وستضل ترفضهم لاستحالة التوافق والتعايش بسبب تناقض مشروع كل منهما مع الآخر..

    فالدولة حددت اختياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تتعارض بالجملة والمطلق مع اختيارات حزب العدالة والتنمية..

    سياسيا: التحالف الاستراتيجي مع الكيان الغاصب والإمبرايالية الغربية، ولا سيما يمينها ومحافظها المتطرفين..

    وعلى المستوى المحلي، العمل على إضعاف كل الأحزاب السياسية وشراء النقابات، وفرض نموذج سياسي مخزني واحد، مع التضييق على الحقوق والحريات…

    اقتصاديا: نموذج ليبرالي متوحش قائم على الاحتكار والريع وانعدام المنافسة النزيهة وتكافؤ الفرص، وتضارب المصالح ، واستغلال المواطنين وضرب قدرتهم الشرائية..

    ثقافيا: نموذج ليبرالي يؤمن بالتوسع في الحرية الفردية ونشر ثقافة التفاهة والابتذال والميوعة عبر الفن والكتابة والإعلام ورسائل التواصل الاجتماعي…

    تعليميا: اعتماد مناهج تعليمية تفصل التلاميذ عن هويتهم وواقعهم، ومقررات لا عمق لها، ولا تبني فكرا إبداعيا أو نقديا.. ومقاربات تدجن المتمدرسين وتضيق على المدرسين..

    دينيا: التمكين للتدين الخرافي والاستثمار في هذا المجال عن طريق دعم الأضرحة والزوايا والمواسم التي تكثر فيها البدع والانحرافات الأخلاقية والعقدية، والتضييق على العلماء وأئمة المساجد، واعتماد خطاب ديني يدعو إلى الخضوع والاستكانة..

    كل هذا كي يبقى الشعب ضعيفا، خاضعا، مدجنا، وقابلا للاسعباد وراضيا بالاستبداد..

    هذا الكلام كتبت الجزء الأكبر منه خلال اعتقالات ومحاكمات شباب الريف، وقلته لأحد القادة الكبار للحزب حينها، والذي أقرني على كلامي.. ليقاطعني بعدها بعامين بسبب مقالات كتبتها عن حقوق الإنسان..

    الآن، وأمام تضامني المطلق مع الأخ عبد الصمد حيكر (الذي جمعتني به اللقاءات الأولى باللجنة الوطنية لشبيبة العدالة والتنمية سنة 1999)، بسبب ما تعرض له من هجوم مبتذل وسمج من طرف وزير العدل، وتضامني مع الدكتور عبد الله بووانو الذي يتعرض إلى حملة تشهير شنيعة، ومع كل نواب حزب العدالة والتنمية.. فإن أدعو الحزب من خلالهم، وأدعو كل أعضاءه إلى مواجهة الحقيقة كما هي، والتعامل مع الواقع السياسي بكل وضوح ومسؤولية..

    لابد من التنبيه إلى ما يلي:

    المغرب في هذه اللحظة التاريخية مقبل على تحولات عميقة، وتحالفات جيو-سياسية بسبب ما تعرفه إفريقيا من تمدد للجماعات الإسلامية المسلحة، وانحصار النفوذ الفرنسي بالمنطقة، وتزايد أطماع أمريكا وروسيا، خاصة جهة الساحل الإفريقي.. والتدخل الصهوني والإماراتي.. ناهيك عما تعرفه تونس من توترات، وما تعرفه ليبيا من انقسامات..

    هذا الواقع المتحول غير بعيد عن الجارة الجزائر التي أصبح نظامها العسكري عبئا على الشعب الجزائري وكل دول المنطقة.. مما يفرض على نظامها هو الآخر تغيير تحالفاته بالشكل الذي يضمن بقاءه ..

    المغرب نفسه، وإن كانت تحالفاته مستقرة في اتجاه المعسكر الصهيو-أمريكي.. إلا أن ذلك سيفرض عليه مزيدا من التدابير السياسية الداخلية حتى يحظى بالدعم والحماية اللازمتين..

    من هذه التدابير الخطيرة، التضييق على التنظيمات الإسلامية، سواء كانت حزبية أو جماعات أو حركات.. انسجاما مع الرؤية الأمريكية التي تعتبر هذه التنظيمات متطرفة فكريا، ومسؤولة معنويا عن الأعمال المسلحة، سواء كانت مشروعة وقانونية مثل ح.م،ا.ي وال.ج.ه.ا.د ، أو تلك التي تمارس الإ.ر.ه.ا.ب بشكل واضح ومباشر..

    فمهما حاولت الأنظمة الامبريالية وخدامها من الانظمة العربية الاستبدادية خنق الحركات التحررية واستغلال الشعوب إرضاء لغطرسة أمريكا وتمكينا للمشروع الصهيوني بالمنطقة، فإن ذلك لن يستمر أمد الدهر، وسيأتي يوم ستتحرر فيه الشعوب العربية من هذا الطغيان..

    على حزب العدالة والتنمية أن يعي هذه التحولات، وتكون حاضرة في كل حساباته وخطواته.. مما يحتم عليه إجراء مراجعة فكرية وسياسية عميقة وجادة متجاوزا مجموعة من المسلمات المغلوطة التي تحكم تعامله مع الدولة..

    فإذا قبلت به الدولة خلال فترة الربيع العربي، فلقد انتهت صلاحيات تلك المرحلة بما لها وما عليها.. والآن نواجه كباقي الشعوب العربية فترة خريف قاس وطويل.. يحمل شعار: «تجفيف منابع التيارات الإسلامية»..

    الوضوح مع الشعب فيما يتعلق بحقيقة الواقع السياسي هو على رأس ما يجب أن يقوم به حزب العدالة والتنمية..

    وعلى الحزب أن يكون واضحا وصريحا مع المؤسسة الملكية في ما يعيشه المغرب من أزمات وانغلاق سياسي وفساد اقتصادي..

    هذه الصراحة تبدأ من كتابة مذكرة سياسية يقدم فيها تشخيصا لهذا الواقع، داخليا وخارجيا.. ويضمنها مقترحات سياسية حقيقية تعطي المعنى المفقود للحياة السياسية، وللحكومة وللبرلمان دورهما الموؤود …

    على الحزب أن يمتلك الشجاعة لإعادة فتح نقاش الملكية البرلمانية.. فالاقتراحات التي رفضها وزير الداخلية والتي تهم قوانين الانتخابات القادمة كانت متوقعة ..

    ومن الغباء الاعتقاد أن قرار رفض التعديلات نابع من شخص وزير الداخلية بشكل فردي.. إن رفض وزير الداخلية هو رفض يمثل الدولة ذاتها، الدولة الممثلة بوزير داخليتها.. والترويج لخلاف ذلك أعتبره شخصيا مغالطة خطير، وتدليس سياسي على الحزب أن ينزه نفسه عنه ولا يسقط فيه..

    إعادة فتح نقاش الملكية البرلمانية تفرضه مثل هذه التدخلات (وهبي والشطيبي) والتداخلات (الدولة والحكومة).. كي يصبح للعمل السياسي معنى، وللحكومة المنتخبة برنامج سياسي تحاسب عليه، وللبرلمان دور تشريعي ورقابي .. بمعنى تحرير السياسة من قبضة المخزن، وتحرير الشعب من بطش السلطة..

    فإذا عجز الحزب عن القيام بهذا العمل الكبير الذي سيخلده له التاريخ.. فعلى الأقل عليه الرجوع الفوري للوثائق المرجعية للحزب، ولاسيما مخرجات مؤتمر 1999 وأطروحة النضال الديمقراطي الصادرة عن مؤتمر 2008 …

    الصراحة مع المؤسسة الملكية ليس تطاولا عليها، ولا يؤدي بالضرورة إلى التوتر والاصطدام معها إذا تحلى الجميع بالحكمة والتعقل.. والوضوح مع الشعب لايعني تحريضه، بل تنويره.. وكل هذا في سبيل تحقيق الاستقرار والمصلحة الوطنية..

    قد تبدو هذه الإجراءات باهضة ومكلفة سياسيا، وربما أمنيا.. لكنها ضرورة سياسية وواجب أخلاقي.. ومسؤولية تاريخية..