محمد قبلي _ ريحانة برس
ليس هناك ما يفضح ثنائية النظام المغربي أكثر من صورته عن المرأة…من جهة امرأة في الواجهة الرسمية تلمع بها صورة الدولة في الخارج.. وتقدم كدليل على الاستثناء المغربي والتقدم والإنصاف….. ومن جهة أخرى امرأة أخرى في الزنزانة لأنها تجرأت على الكلمة على الرأي على قول لا…. فاطمة المنصوري رئيسة المجلس الجماعي لمراكش ووزيرة… ورئيسة حزب، والان رئيسة حكومة نموذج للمرأة التي اختارها المخزن لتكون في الديكور…حضورها مؤسساتي بروتوكولي يستدعى عند الحاجة لإعطاء انطباع بأن المرأة وصلت إلى مراكز القرار وأن المغرب قطع مع زمن الإقصاء….. هي وغيرها من الأسماء النسويات المحظوظات اللواتي يتم تدويرهن بين المناصب والواجهات، لا يُطلب منهم أن يغيرن جوهر النظام بل أن تجملن واجهته….. وجودهن مشروط بالولاء وبعدم تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمها المخزن بعناية.
في الضفة المقابلة، تقبع سعيدة العلمي المناضلة الحقوقية خلف القضبان…. ومثلها كثيرات… ونساء قرويات ..ارامل مطلقات عانسات نساء دفعن ثمن كدحهن.. تجاهلهن…. نضالهن من حريتهن وأجسادهن وفي بعض الاحيان من شرفهن وعرضهن وسنوات عمرهن.. سعيدة كنمودج لم تحمل سلاحا…. لم تدع للعنف ..كل ذنبها أنها كتبت …وانتقدت.. وتضامنت.. ورفضت أن تصمت. فكان مصيرها السجن والمحاكمات الصورية والتشهير والتنكيل.اما متيلاتها ممن ذكرن معها فالواقع مؤلم ومحزن ….
هذه هي الثنائية التي تحكم بها الدولة استلاب الحرية من جهة وتسويق الواجهة من جهة أخرى.
هو اسلوب نظام يتقن لعبة الديكور. يضع امرأة على رأس مؤسسة منتخبة، ويصفق لها الإعلام الرسمي، بينما يزج بامرأة أخرى في سجن عكاشة أو سجن محلي ناء، لأنها طالبت بحرية التعبير أو دافعت عن معتقل رأي. الأولى تستقبل في السفارات والمؤتمرات الدولية للحديث عن “تمكين المرأة المغربية”، والثانية تُمنع وتحاصر حتى من حقها في التطبيب والزيارة والكرامة ….
المفارقة مؤلمة الدولة التي توقع الاتفاقيات الدولية حول حقوق المرأة وحقوق الإنسان، هي نفسها التي تعتقل المدونات والصحافيات والمحاميات والناشطات لمجرد تدوينة على فيسبوك. الدولة التي تتباهى بمدونة الأسرة، هي نفسها التي تجعل من جسد المناضلة والفقيرة ساحة للتجاهل والانتقام.
ما يقع ليس صدفة، بل سياسة ممنهجة….المسؤول لا يريد امرأة حرة، يريد امرأة مؤطرة. يريدها رقما في لوائح التمثيلية، وصورة في التقارير الرسمية، لا صوتا حرا يزعج الاستبداد. يريد نساء الديكور، لا نساء النضال…لذلك فالمعركة اليوم ليست فقط معركة من أجل إطلاق سراح سعيدة العلمي وكل المعتقلات السياسيات..او رفع الحيف والظلم عن الارامل والمطلقات والعانسات والام والاخت ممن لا حظ لهن ليكن من النسويات ، بل هي معركة من أجل كشف هذه الخدعة الكبرى. خدعة المساواة الشكلية التي تخفي وراءها قمعا حقيقيا لكل صوت حر مقهور بعيد عن دائرة المحظوظات والمحظوظين سواء كان رجلا أو امرأة….
لا يمكن الحديث عن تقدم للمرأة في المغرب، ونساؤه الحرائر يقبعن في السجون. ولا يمكن الحديث عن ديمقراطية، والديكور وحده هو من يتكلم باسم المرأة النسوية المغربية بينما تخرس المرأة المناضلة الحقيقية خلف القضبان وتجاهل وجودها في كل مكان .. حرية سعيدة العلمي ورفيقاتها، وحق المراة ككل بالكرامة والعدالة الاجتماعية هي المحك الحقيقي لكل شعارات الدولة حول المرأة وحقوقها.
