الكاتب : بيروك الضبايلي زهرة
بتاريخ : 18 نوفمبر، 2025 - 07:04
الزيارات : 486
ريحانة برس
في خضم التحولات التي تشهدها قضية الصحراء، ومع تزايد الاعتراف الدولي بوجاهة المقترح المغربي للحكم الذاتي، يصبح من الضروري إعادة ترتيب المفاهيم وفتح نقاش وطني حقيقي حول ماهية هذا المشروع، لصالح من، وكيف سيتم تنزيله، ومن له حق المشاركة فيه.
لقد أصبح واضحاً اليوم أن الحكم الذاتي ليس امتداداً بسيطاً للوضع السياسي القائم، وليس مجالاً لتوسيع سلطات المنتخبين الحاليين أو إعادة توزيع المناصب بينهم.
الحكم الذاتي هو صيغة جديدة تماماً، مؤسسة على رؤية أممية ووطنية، تقوم على إشراك كل الصحراويين دون إقصاء، وتستهدف بناء نموذج تنموي واجتماعي وثقافي جديد يكون فيه الإنسان كل إنسان في قلب المعادلة.
أولاً: الفرق الجوهري بين المنتخب وصيغة القرار الأممي
من الضروري توضيح الخلط الذي يظهر في بعض الخطابات التي تعتبر أن المنتخبين الحاليين هم المالكون الطبيعيون للحكم الذاتي.
-اختصاصات المنتخب المحلي اليوم:
يمثل المواطنين في إطار الجهوية المتقدمة
يمارس صلاحيات محدودة زمنياً وقانونياً مرتبط بقانون انتخابي وحزبي
ولا يملك أي شرعية استباقية أو حصرية في تدبير الحكم الذاتي مستقبلاً-
الحكم الذاتي كصيغة أممية فهو:
مشروع جديد تتغيّر معه البنية المؤسساتية كلياً ويُعاد تحديد هياكل السلطة وتُخلق مؤسسات محلية تنفيذية وتشريعية جديدة بإشراك كل مكونات المجتمع الصحراوي: المقيمين، العائدين، المستقرّين، والذين سيعودون بعد الاتفاق النهائي.
إذن لا وجود لما يسمى احتكار سياسي مسبق للحكم الذاتي.
المؤسسات الجديدة ستُبنى على منطق المشاركة الواسعة، لا على منطق الامتيازات الحزبية.
الحكم الذاتي مشروع اجتماعي قبل أن يكون سياسياً
إن أول ما تستهدفه هذه الصيغة هو معالجة الشرخ الاجتماعي الناتج عن عقود من التفرّق عبر:
-إعادة إدماج العائدين من مخيمات تندوف
-توحيد العائلات المشتتة
-خلق مناخ ثقة وطمأنة
-محاربة خطاب الإقصاء
-منح كل فرد مكانته وقيمته داخل المجتمع
فلا مستقبل للحكم الذاتي دون مجتمع مستقر، متماسك، ومتساوٍ في الفرص والحقوق والمجتمع المتماسك لا يصنعه منتخب أو حزب، بل تصنعه مصالح الناس، كرامتهم، وانتماؤهم للجماعة الوطنية.
البعد الاقتصادي… تنمية جديدة لا تتحكم فيها النخب القديمة
الحكم الذاتي كما يتصور عالمياً ليس مجرد نقل للسلطة، بل نقل للنموذج الاقتصادي برمّته فهو يقوم على:
-اقتصاد جهوي مستقل نسبياً
-استثمار مباشر
-تقوية المقاولات المحلية
-تشغيل الشباب
-تحريك قطاعات الصيد البحري، السياحة، الطاقة، واللوجستيك
-العدالة في توزيع الثروة
-إنهاء اقتصاد الريع الذي استفاد منه البعض دون غيرهم
وهذا يعني أن السلطة الاقتصادية لن تبقى حكراً على نخبة معينة، مهما كان موقعها اليوم. فالقرار الاقتصادي سيصبح خاضعاً لمؤسسات جديدة، ورؤية مشتركة، وقوانين ضابطة.
البعد الثقافي… إعادة الاعتبار للهوية الصحراوية الجامعة
الحكم الذاتي يمنح فرصة غير مسبوقة لإحياء الثقافة الصحراوية:
-اللغة الحسانية
-التراث البدوي الصحراوي
-الفنون
-القيم الأصيلة
-تقاليد الترحال
-الموروث التاريخي للقبائل
هذه ثقافة لا يمكن أن يحتكرها منتخب أو مسؤول.
إنها ملك لكل صحراوي، سواء عاش داخل الوطن أو خارجه، سواء عاد اليوم أو سيعود غداً.
وإقصاء أي فئة من المساهمة في بناء المشهد الثقافي يتناقض مع الفلسفة الأصلية للحكم الذاتي.
الحكم الذاتي ملك لكل الصحراويين… وليس ورقة لاستدامة النفوذ…..
هناك من يتحدث كأن الحكم الذاتي حق شخصي أو غنيمة انتخابية أو امتداد بسيط لولايات انتخابية جديدة.
وهذا تصور خاطئ وخطير، لأنه يختزل مشروعاً حضارياً في حسابات سياسية ضيقة.
الحكم الذاتي هو:
-مستقبل وطن
-مشروع مجتمع
-صيغة مصالحة تاريخية
-بناء جديد للمنطقة
-توزيع عادل للسلطة
-وآلية لدمج جميع أبناء الصحراء دون تمييز
-إنه لحظة تأسيسية، لا لحظة امتيازات.
الخلاصة
الحكم الذاتي ليس ملكاً للنخب السياسية الحالية، ولا هو ثمرة تحالفات حزبية، ولا منصباً انتخابياً مُمدداً.
إنه حل أممي وطني، يستمد قوته من شمولية التمثيل وعدالة المشاركة.
وعليه لا يحق لأي منتخب أو جهة أن تتحدث بمنطق نحن أصحاب الحق أو نحن من سيدبّر المرحلة دون غيرنا.
فالحكم الذاتي، كما هو متوافق عليه دولياً، لا يمكن تنزيله إلا إذا شارك فيه كل الصحراويين دون استثناء، لأن الشرعية الحقيقية لا تأتي من صندوق الاقتراع وحده، بل من الإجماع المجتمعي.
ومستقبل المنطقة لن يُبنى بخطابات الإقصاء، بل بخطابات العقل والاتحاد والمسؤولية.
المصدر : موقع ريحانة برس
إرسال تعليق