الكاتب : الكارح ابو سالم
بتاريخ : 20 نوفمبر، 2025 - 16:38
الزيارات : 280
ريحانة برس
لم تعد الديناميات الجيوسياسية الراهنة تبحث عن «حدود جديدة» بقدر ما تبحث عن نماذج حكم جديدة، تُعيد ضبط علاقة الدولة بمحيطها الترابي والإنساني، عبر مقاربات مرنة تستوعب تعقّد العالم بدل الصدام معه. وفي هذا السياق، يبدو أن الزمن الدولي — بما يحمله من تحوّل في مفهوم السيادة، وتنامي اللامركزية، وصعود مقاربات التفريع والحكم الذاتي — قد لحق أخيراً بما رسّخه المغرب في تجربته التاريخية الطويلة.
فالمبادرة المغربية للحكم الذاتي ليست «صفقة سياسية عابرة»، بل انعطافة استراتيجية جعلت المستقبل دليلاً على صواب الماضي.
اليوم، بعد أن أصبحت الأمم المتحدة نفسها تُدرج الحكم الذاتي ضمن الحلول الواقعية، العملية، والدائمة للنزاعات الترابية، تتأكد براغماتية المغرب، وتتأكد أيضاً قدرته على قراءة الاتجاهات الكبرى قبل أن تتبلور نظرياً لدى المؤسسات الدولية.
عالم تغيّر… ومغرب كان جاهزاً للتغيير
منذ عقدين، تغيّر شكل النظام الدولي جذرياً: فشعار “الانفصال” فقد جاذبيته، وفكرة “الدولة القومية المغلقة” تراجعت، بينما صعدت حلول هجينة تسمح بإدارة التعدد داخل الدولة الموحدة، وقد جاءت تقارير الأمم المتحدة، وتصريحات أعضاء مجلس الأمن، لتؤكد أن الحكم الذاتي المغربي هو الخيار الأكثر واقعية، وأنه ينسجم مع الاتجاه العالمي نحو نماذج للسيادة المرنة والحوكمة المتعددة المستويات.
لكن قوة المبادرة المغربية لا تأتي من «إقرار أممي» فحسب، بل من كونها مندمجة في القانون الدولي، وتحظى بدعم متنامٍ من الدول الكبرى،ومسنودة ببرامج تنموية غير مسبوقة في الأقاليم الجنوبية، لكونها مستوعبة لتحول المغرب نحو قوة إقليمية صاعدة ذات جذور إفريقية، متوسطية، وأطلسية.هذه الدينامية جعلت من الصحراء المغربية منطقة مستقبل، عبر مشاريع استراتيجية عابرة للقارات مثل: مشروع أنبوب الغاز النيجيري–المغربي، الطريق الأطلسي، الموانئ الكبرى، وربط المغرب بعمقه الإفريقي اقتصاديًا ودبلوماسيًا.
الاجتماع الوطني ورسالة للمجتمع الدولي
ما يميز اللحظة السياسية المغربية اليوم هو ذلك الإجماع الوطني الذي جمع مؤسسات الدولة، الأحزاب، الهيئات المنتخبة، والفاعلين المحليين بالصحراء، فالمغرب لم يعد يناقش “طبيعة الحل”، بل يناقش كيفية تنزيله؛ وهذه نقطة فارقة.
الاجتماع الوطني الأخير، الذي جمع قيادات سياسية وممثلي الهيئات المدنية، أكد أن الحكم الذاتي ليس فقط مبادرة دولة، بل تعاقد مجتمعي يحظى بشرعية وطنية لا تتأثر بتقلبات الإقليم ولا بالاصطفافات الخارجية.
الحكم الذاتي المغربي… امتداد لنسق تاريخي لا ينقطع
في العلوم السياسية، يُنظر للمغرب باعتباره دولة مستمرة زمنياً ، لا تنشأ من عدم، ولا تُبنى على قطيعة، وتُظهر الوثائق المخزنية — كما في دراسات محمد المؤرخين — أن علاقة المركز بالجهات كانت قائمة علىبيعة تمنح السيادة للمركز،وصلاحيات واسعة للجهات في تدبير شؤونها اليومية،وتداخل العرف مع الشرع، واستعمال “العامل السلطاني” كوسيط سياسي ورمز لوحدة الدولة، أي أن المغرب مارس، منذ قرون، نموذجاً من اللامركزية الوظيفية يشبه تماماً الأسس الحديثة للحكم الذاتي، بل إن لحظات التوتر كانت تُحل عبر آليات الصلح، أي التفاوض بدل الإخضاع، والتحالف الرمزي بدل الهيمنة المباشرة.
هذا الإرث السياسي هو الذي يجعل الحكم الذاتي اليوم امتداداً طبيعياً لـ دولة مرنة، تفاوضية، وقادرة على إدارة التعدد دون تهديد للوحدة.
براغماتية المغرب… مقابل عقيدة جامدة في الجوار الشرقي
يتعامل المغرب مع قضية الصحراء وفق رؤية ليبرالية–مؤسساتية، تجعل التنمية والبنى التحتية والاستثمار والاندماج الاقتصادي أدوات لحل النزاع، وليس الشعارات والمواجهات الإيديولوجية، في المقابل، ما تزال الجزائر محكومة بعقيدة سياسية تنتمي لعصر الحرب الباردة، حيث تُدار السياسة الخارجية بأدوات أمنية،ويُنظر للتكامل الاقتصادي بعين الريبة،ويُعاد إنتاج خطاب ثوري فقد صلاحيته التاريخية. وهنا يكمن الفرق بين دولة تُعيد إنتاج المؤسسات، ودولة تُعيد إنتاج الثورة.،بحيث الاولى تواكب الزمن الدولي، والثانية تتصادم معه.

المبادرة المغربية: نموذج دولة مركّبة حديثة
الحكم الذاتي المغربي ليس حلاً لنزاع إقليمي فحسب، بل مشروع لبناء نسخة مغربية من الدولة المركبة ، حيث السيادة مركزية، لكن صلاحيات التدبير محلية وواسعة. وبقدر ما يستند هذا النموذج إلى الشرعية التاريخية، فإنه يستند اليوم إلىإصلاحات دستورية (دستور 2011 والجهوية المتقدمة)،وديناميات تنموية في الأقاليم الجنوبية،وإجماع سياسي ومجتمعي، ودعم دولي متصاعد، ورؤية استراتيجية تجعل الجهة فاعلاً، لا مجرد تابع.
الزمن يميل نحو المغرب
لقد أصبح واضحاً أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي هي الحل الوحيد الذي ينسجم مع اتجاهات العالم: عالم يسعى إلى حلول مرنة، واقعية، ومنفتحة، تحفظ السيادة وتمنح الاستقلالية، وتُعيد تعريف مفهوم الدولة دون المسّ بوحدتها. ولأن المغرب يمتلك شرعية تاريخية، واستقراراً مؤسساتياً، وبراغماتية سياسية، ورؤية تنموية بعيدة المدى، فإن المستقبل — كما الحاضر — يميل بوضوح نحو خياره. والحكم الذاتي، في صيغته المغربية، ليس نهاية نزاع…بل بداية نموذج سياسي جديد، يعكس قدرة المغرب على تحويل الجغرافيا إلى فرصة، والتاريخ إلى أساس، والمستقبل إلى دليل على صحة اختيارٍ بدأ قبل عقود.
المصدر : موقع ريحانة برس
إرسال تعليق