البقالي يطيح بالسردية الرسمية: “المهدوي مُستهدف”

  • الكاتب : حسن اليوسفي المغاري
  • بتاريخ : 5 ديسمبر، 2025 - 17:16
  • الزيارات : 611
  • فايسبوك

    لم يكن خروج عبد الله البقالي حدثا عاديا في سياق الضجيج الذي رافق الشريط المسرّب للجنة الأخلاقيات، ولا ردّ فعل عابر على ما اعتبره “تشهيرا” بأعضاء اللجنة. لقد كان، بكل وضوح، خروجا صادما يقلب الطاولة على الرواية الرسمية ويدخل المجلس الوطني للصحافة المنتهية ولايته قانونا، في أخطر لحظاته منذ تأسيسه.

    فالرجل، بصفته رئيس لجنة منح بطاقة الصحافة، لم يكتَفِ بالدفاع عن أعضاء الأخلاقيات – وهذا من حقّه – بل قدّم معطيات أكثر خطورة من مضمون الشريط المسرّب نفسه، وكشف عن أعطاب عميقة مست الجوانب المهنية والأخلاقية والمعرفية التي يقوم عليها التنظيم الذاتي، إلى اعتبار ما تعرّض له الصحافي المهدوي باطل وغير أخلاقي.

    لكن العبارة التي شكّلت عمق الرسالة في تصريحاته كانت واضحة وصريحة، كررها البقالي أكثر من مرة دون تردد:

    “الصحافي حميد المهدوي مستهدف.”

    هكذا، وبجملة واحدة، اهتزّ كل البناء الذي حاولت “لجنة الأخلاقيات” و”الجمعية العمومية” تقديمه للرأي العام منذ بداية الملف. ليست هذه مجرد ملاحظة أو تقدير من زميل لزميل، بل شهادة رسمية من داخل أعلى هياكل المجلس. شهادة تعني أن المسطرة لم تكن سليمة، وأن القرار لم يكن مهنيا، وأن “الأخلاق” استُعملت كسلاح وليس كمعيار.

    وبالعودة إلى موقع البقالي في المؤسسة، يتضاعف ثقل هذا التصريح. فهو لم يكن على الهامش، بل كان، منذ البداية، معارضا لمسار منع بطاقة الصحافة عن المهدوي. صرّح أنه لم يكن في صف الجمعية العمومية خلال اتخاذ القرار، ولم يساير لجنة الأخلاقيات في طريقة التعاطي مع الملف، وبالتالي لم يحضر ولم يوافق.. هذا يعني أن الخلاف داخل المجلس لم يكن اختلافا تقنيا، بل انقساما جذريا حول جوهر العدالة المهنية، حول المعايير، وحول استقلالية القرار.

    هنا تتضح الصورة الأكبر: نحن أمام مجلس تفكك من الداخل، سواء بفعل ضغط خارجي، أو بفعل صراع سرديات بين أعضائه.

    – سردية تقول إن الشريط المسرّب يسيء للمؤسسة ويشوّه الحقيقة..

    – سردية صادرة من رأس لجنة البطاقة المهنية تقول إن الاستهداف كان واضحا، وإن المسطرة لم تكن عادلة، خصوصا بعد تكرار الشكايات.

    بهذا المعنى، خروج البقالي لم يكن دفاعا عن أحد، بل إعلانا عن سكتة تنظيمية داخل (مجلس) لم يشتغل، على الأقل في ملف الصحافي المهدوي، بمنطق الاستقلالية، بل بمنطق توازنات ربما داخلية أو من جهة خارجية، وبين التجاذبات، والتأويلات التي حوّلت ملف المهدوي إلى ساحة تصفية حسابات.

    والحقيقة أن هذا الوضع ليس مفاجئا. فقد كان المجلس يترنح في بعض محطاته بين غياب الانسجام، تسريبات تفضح طريقة المناقشة الداخلية، ومحاولات ترقيع لم تعد تقنع أحدا. لكن الجديد اليوم هو أن شهادة “الخلل” لم تعد تأتي من الخارج، بل من الداخل، ومن أحد أكبر أركانه.

    بهذا الخروج، سقط آخر جدار من جدران الهيبة الرمزية التي كانت تحيط بالمجلس الوطني للصحافة. سقطت معه فكرة أن لجان الأخلاقيات، إذا كانت على هذه الشاكلة، تشتغل فوق الاعتبارات، وأن الجمعية العمومية محايدة، وأن التنظيم الذاتي قادر فعلا على حماية المهنة وصون كرامة العاملين فيها.

    لقد كشف البقالي المستور، وعرّى هشاشة ما آلت إليه الأوضاع داخل لجنة الأخلاقيات، وأكد أن الأزمة ليست تقنية ولا مسطرية، بل أزمة ثقة وأزمة مشروعية.

    ثقة الصحافيين في مؤسستهم،

    ثقة الرأي العام في استقلاليتها،

    وثقة أعضائها في بعضهم البعض.

    إن ما يجري اليوم هو لحظة مفصلية تُلزم بإعادة البناء من جديد:

    تنظيم ذاتي بمؤسسات شفافة، مستقلة، خاضعة للمساءلة..

    لا لجان تتحول إلى أطراف في الصراع،

    ولا بيانات تحاول بتر النقاش.

    المهدوي كان، كما قال البقالي، مستهدفا، وهذا تصريح صريح من رئيس لجنة البطاقة المهنية، وبالتالي وجب أخذه بعين الاعتبار قانونا..

    والمجلس، بعد هذا الخروج، وهو – الآن – منتهي الصلاحية، صار من الواجب إعادة النظر، بجدية وبمهنية، في مسألة التنظيم الذاتي، ليس بقانون على مقاس جهات أظهرت نياتها المبيّتة في الاستحواذ على المجلس، وإنما بإعمال العقل والمنطق والقانون والحقوق، وإقرار سحب مشروع القانون إياه اليوم قبل الغد.

     غير ذلك فإن استهداف التنظيم الذاتي بالطريقة الحالية، جريمة ثابتة الأركان.