0

عبد الله الجباري – ريحانة برس

قبل شهر أو ينيف، طلع علينا السيد عبد اللطيف وهبي (وزير العدل) بتصريح شارد تحت قبة البرلمان حول انتفاء الصفة القانونية للمطالبة بوثيقة الزواج لرجل وامرأة إذا رغبا في الاختلاء بنفسيهما في غرفة واحدة من غرف الفنادق بالمملكة المغربية.

 

وبما أننا تعودنا على رعونات الوزير وتصريحاته غير المنضبطة، فإننا لم نعرها كبير اهتمام، إلى أن طلع علينا السيد محمد عبد الوهاب رفيقي الشهير إبان انتسابه إلى السلفية القتالية بـ[أبو حفص المغربي] بمقال من ثلاث حلقات، تحت عنوان: أي أساس فقهي وقانوني لإلزام نزلاء المؤسسات السياحية بالإدلاء بعقود الزواج؟.

 

وقد خصص الجزء الأول الصادر لحد الآن للأسس والمعايير الدولية والدستورية لحماية الحياة الخاصة للأفراد، وهو الجزء الخاص بالأساس القانوني، على أن يليه جزء خاص بالأساس الفقهي.

 

وبعد مطالعة مقاله المشار إليه، تبينت لنا ملاحظات نسجلها كرؤوس أقلام، ثم نعرج على الأسس الفقهية والقانونية التي تلزم الفنادق بالقيام بالإجراء موضوع التصريح الأرعن للسيد الوزير المحترم.

 

أولا: ملاحظات حول مقال أبي حفص المغربي :

قبل إخضاع مقال أبي حفص للمناقشة العلمية من حيث المحتوى والبنية، يحق لنا أن نناقشه انطلاقا من شخصية كاتبه ابتداءً، وذلك لاعتبارين اثنين:

أولهما: لأننا لا نؤمن بنظرية موت المؤلف.

 

ثانيهما: لأنه هو نفسه قارب بعض المواقف التابعة لتصريح الوزير ارتباطا بشخصيات أصحابها، فوصفها بكونها مجرد تصفية حسابات سياسية أو إيديولوجية.

وبما أنه أباح لنفسه شخصنة التقييم، فإننا بناء على الاعتبارين السابقين سنعمد إلى تقييم مقال أبي حفص بناء على شخصيته أولا، لنبين مدى رفض المقال أو قبوله من حيث الشكل، قبل الولوج إلى مقاربة الموضوع.

 

قد يرتبط الشخص بشخص أو أشخاص آخرين على اعتبار أنهم أولياء نعمته، وبالتالي فإن شهادته فيهم تكون مجروحة شرعا وقانونا وفلسفةً، وغير خاف على المتتبعين أن المجتمع اليوناني كان مجتمعا ديمقراطيا، على اعتبار أن الديمقراطية بنت أثينا، كما أن المجتمع اليوناني كان إقصائيا، حيث كان يقصي العبيد من المشاركة في الانتخابات. وهذا الإقصاء مقبول من حيث التنظير الفلسفي للديمقراطية، كما أنه سائغ من الناحية الشرعية والمقاصدية.

 

ففلسفيا، كان منظرو الفكر حينذاك يؤصلون لمنع جزء من الشعب [العبيد] من المشاركة في الانتخابات، لأن العبد لا يملك رأيا مستقلا، وهو تابع لسيده وولي نعمته.

وشرعيا ومقاصديا، كان الفقهاء في عصر التأسيس الفقهي يبنون كثيرا من أقوالهم على مبدأ “اعتبار المآلات” و”سد الذرائع”، وإذا كان تصويت العبد سيؤول إلى أن يصب في خدمة صوت سيده، كان منعه من التصويت مخالفا لمبدأ المساواة، لكنه مقبول من حيث سد الذرائع.

 

وأبو حفص في علاقته بالوزير قد لا يتجاوز علاقة الشخص بولي نعمته، فهو الذي آواه واحتضنه في ديوانه، وهو الذي سهر على توظيفه مراعاة لأحواله وأحوال أسرته، واعتبر ذلك حسنة من الحسنات.

وبناء على هذه العلاقة الثنائية بين الرجلين، فإنه من السائغ أن يركب أبو حفص الصعب والذلول من أجل تسويغ تصريحات ولي نعمته، وقد يعمل على لي أعناق النصوص لخدمة أجندة السيد وفق نظرية “إنه ربي أحسن مثواي” بمفهومها السالب، لذلك كانت شهادته مجروحة قانونا، ومرفوضة بالتبع.

 

ثانيا: الأسس الفقهية لإلزامية الجنسين بعقد الزواج في المؤسسات الفندقية.

1 ــ غير خاف على الدارسين والمهتمين أن الفقه هو نتاج لأسس كبرى تسمى أصول الفقه، ومنها أصل اعتمده فقهاء المذاهب كلهم، واشتهر به فقهاء المذهب المالكي، وهو أصل سد الذرائع.

فالفعل الذي قد يبدو سائغا ومقبولا، إذا كان ذريعة إلى الوقوع في محظور، فإننا نمنعه رغم قانونيته وشرعيته.

 

أمثلة:

** إدخال الهاتف من قبل التلاميذ إلى قاعات الامتحان أمر مقبول وسائغ، وبما أنه قد يكون ذريعة للغش المحظور، فإننا نلجأ إلى منع حمل الهاتف وإدخاله إلى المؤسسة سدا للذريعة.

** الشهادة وسيلة من وسائل الإثبات، والإدلاء بالشهادة مقبول وسائغ للوصول إلى الحقيقة، لكننا نمنع شهادة الابن لأبيه أو شهادة الأب لابنه، سدا لذريعة الكذب المحتمل الذي قد يغير مسار القضية وينحرف بها.

 

** قضاء القاضي بعلمه مقبول، بل مطلوب، وبما أنه قد ينحرف إلى اتخاذه وسيلة لإبطال الحقوق وتحريف مسارات القضية المعروضة على المحكمة، فقد لجأت الإنسانية إلى منع القاضي من القضاء بعلمه سدا للذريعة.

وهنا نقول: إن دخول رجل وامرأة إلى غرفة واحدة في الفندق طيلة أربع وعشرين ساعة أو أقل، أمر سائغ ومقبول وفق أدبيات القانون الدولي والدستور المغربي [نقول هذا تنزلا مع صاحب الوزير]، لكننا نتساءل معه: لماذا دخلا وانفردا هناك؟ هناك فرضيات متعددة، منها فرضية ممارسة الزنا.

 

وبما أن هذه الفرضية مقبولة من قبل كل شخص غير ناقص، فإننا سدا للذريعة يحق لنا منعها وفق مبادئ حضارتنا وثقافتنا وقيمنا ومبادئنا. [طبعا: هنا نتحدث مع أصحاب المبادئ والقيم].

 

2 ــ غير خاف على كل عاقل أن العرف مصدر أساس من مصادر التشريع والقانون، وأن الاعتماد على العرف يكون في حالات وبشروط، منها عدم وجود النص، لأن العرف لا يقوى على معارضة النص وفق بعض الأدبيات الفقهية والقانونية.

وبما أن الوزير نفسه اعترف بعدم وجود نص قانوني ملزم للرجل والمرأة بالإدلاء بوثيقة الزواج، فقد جرى العرف ــ بناء على أصل سد الذرائع السابق ــ على مطالبتهما بتلك الوثيقة ما دام أن النص المانع من هذا الإجراء معدوم غير موجود.

 

نعم، يحق للوزير أن يقدم مقترح قانون للمؤسسة التشريعية ينص على منع هذا الإجراء، ويحق للبرلمان أن يصوت عليه ويصيره قانونا. أما الاكتفاء بتصريح أرعن تحت قبة مؤسسة محترمة فلا يعتبر نصا تشريعيا أولا، ولا يقوى على معارضة العرف ثانيا.

 

لن نسترسل في الأساس الفقهي لهذا الإجراء، ونكتفي بهذين التأصيلين اللذين غفل عنهما أبو حفص محمد عبد الوهاب رفيقي، لأنه ربما غاب عن حصص أصول الفقه المؤصلة لهما نظرا لتفرغه السابق في الإشراف على أفراد كتائب السلفية القتالية المنتشرة لنشر الرعب في أحياء بنسودة.

 

ثالثا: الأسس القانونية لإلزامية الجنسين بعقد الزواج في المؤسسات الفندقية.

جهد السيد أبو حفص نفسه في حشر الأدلة المسوغة لدخول فردين من جنسين مختلفين إلى غرفة فندقية دون الإدلاء بوثيقة زواج، ولكنه رغم الجهد الكبير المبذول، فإنه لم يتجاوز نقطة واحدة، وهي حرمة الحياة الخاصة وعدم التدخل فيها.

ورغم اللف والدوران من خلال جمع حشد من النصوص الواردة في المواثيق الدولية، فإن أهم نص قانوني استدل به هو الفصلان 175 و24 من الدستور. ليخلص إلى بيان لادستورية إجراء المطالبة بوثيقة الزواج من زبناء الفنادق السياحية.

بالنسبة للفصل 175، ذكر أبو حفص أنه ينص على أن الأحكام المتعلقة بالمكتسبات في مجال الحريات والحقوق الأساسية لا يمكن أن تكون محل مراجعة دستورية.

 

ومن يقرأ هذا الكلام يعتقد اعتقادا جازما صوابية ما ذهب إليه رفيقي، وبما أنني لا أعتبره باحثا رصينا ولا أثق في خلاصاته واستنتاجاته، فقد يممت وجهي نحو الدستور لأقرأ الفصل كاملا دون وسيط، فوجدت الفصل هكذا: “لا يمكن أن تتناول المراجعة الأحكامَ المتعلقة بالدين الإسلامي، وبالنظام الملكي للدولة، وبالاختيار الديمقراطي للأمة، وبالمكتسبات في مجال الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور”.

وبعد هذه المراجعة، تبين لي أن الباحث رفيقي مارس التدليس على القراء، حيث قصر حديثه على الجزء الأخير من المادة الدستورية، وأغفل عمدا الجزء الأول المرتبط بالدين الإسلامي.

 

إن مطالبة الرجل والمرأة بوثيقة الزواج قبل ولوج غرفة الفندق يعد عرفا معمولا به وفاقا لمبادئ الدين الإسلامي المانع من الزنا، والمانع من الاقتراب من الزنى، “ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا”.

وبما أنه من الأحكام ذات الصلة بالدين الإسلامي، فلا يحق للوزير أو لمستشاره أن يبادرا إلى مراجعته بالإلغاء.

كما أن النص الدستوري ينص على عدم مراجعة الأحكام التي تمس بالمكتسبات في مجال الحريات والحقوق المنصوص عليها في الدستور، فهل عدم مطالبة شخصين بوثيقة الزواج في الفندق يعد من الأحكام المنصوص عليها في الدستور حتى نطبق عليها هذا الفصل ونمنع من مراجعتها.

أما الفصل 24 الذي استند عليه أبو حفص لتسويغ تصريح الوزير، فيقول: “لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة/ لا تنتهك حرمة المنزل، ولا يمكن القيام بأي تفتيش إلا وفق الشروط والإجراءات التي ينص عليها القانون/ لا تنتهك سرية الاتصالات الشخصية، كيفما كان شكلها، ولا يمكن الترخيص بالاطلاع على مضمونها أو نشرها، كلا أو بعضا، أو باستعمالها ضد أي كان، إلا بأمر قضائي، ووفق الشروط والكيفيات التي ينص عليها القانون/ حرية التنقل عبر التراب الوطني والاستقرار فيه والخروج منه والعودة إليه مضمونة للجميع وفق القانون”.

 

بعد قراءة متأنية لهذا الفصل الدستوري، لم نجد ما يمكن التمسك به سوى العبارة الأولى: “لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة”. فهل يمكن اعتبار هذه المادة الدستورية أساسا لرفض المطالبة بوثيقة الزواج؟ أو يمكن اعتبارها أساسا قانونيا للمطالبة بوثيقة الزواج؟

إن من أراد حماية حياته الخاصة لا يذهب إلى المكان العام والمرفق العام مع امرأة أجنبية عنه.

هذا أولا. أما ثانيا، فوثيقة الزواج مثلها مثل سائر الوثائق الرسمية، ولصاحب الفندق الحق في مطالبة الزبون بالإدلاء بالبطاقة الوطنية، مع ما تحمله تلك البطاقة من معلومات شخصية كتاريخ الميلاد ومكانه وأسماء الوالدين والعنوان البريدي. فإذا كانت المطالبة بوثيقة الزواج تتعارض مع مبدأ الحق في حماية الحياة الخاصة، فالمطالبة بالبطاقة الوطنية تتعارض مع المبدأ نفسه.

من هنا، قلنا في البداية بأن الكاتب إن كان في معرض تسويغ تصريحات أولياء النعمة فلن يتردد في لي أعناق النصوص والتدليس ليحقق المراد.

ولنا أن ننظر إلى مبدأ حماية الحياة الخاصة من زاوية أخرى غير الزاوية التي ينظر منها أبو حفص انطلاقا من الوضعية الآتية:

لنفترض أن سيدة متزوجة ذهبت إلى فندق للاختلاء في إحدى غرفه مع شخص أجنبي عنها، ولما علم بشأنها شخص ثالث أبلغ على وجه السرعة زوجها.

بناء على هذه الوضعية، فمن الذي له الحق في حماية حياته الخاصة؟

هل السيدة المتزوجة؟ أم زوجها؟

هل نمنع الزوج من رفع شكاية فورية بزوجته؟

إن القانون يخول له ذلك، ويعطي الحق لرجال الشرطة أن يتوجهوا إلى الفندق، وإن وجدوا المعنيين بالأمر في خلوة يحق لهم تقديمهما إلى العدالة، وإذا ثبت عليهما ما يطلق عليه بجريمة الفساد أو الخيانة الزوجية، فإنهما يتابعان معا، كما يحق للقضاء متابعة صاحب الفندق بتهمة تهيئة وكر للدعارة أو تهمة مشابهة. فبأي طريقة سيدافع عن نفسه صاحب الفندق؟

هل سيدافع عن نفسه بنصوص قانونية تسوغ له فعله؟ أم سيترافع أمام القضاء بالإدلاء بتصريح الوزير؟ وهل لتصريح الوزير قيمة قانونية تُذكر؟

إن الوزير بتصريحه الأرعن سيعرض كثيرا من أصحاب الفنادق إلى متابعات لا قبل لهم بها، وسيجر عليهم تبعات هم في غنى عنها، أما هو، فسيكسب أصواتا في سوق الحداثة سرعان ما تتبخر فور أول تعديل حكومي يضع به في قارعة الطريق.

 على سبيل الختم:

بناء على معرفتنا الفقهية والقانونية المتواضعة، نجزم أن السيد محمد عبد الوهاب رفيقي لا يقوى على إيراد الأسس القانونية والفقهية لمنع مطالبة زبناء الفنادق بوثيقة الزواج، وأمام عدم قدرته هذه، فإننا نلتمس منه جرد أهم الأسس الفقهية والقانونية للانخراط في سلك الوظيفة العمومية بتقنية “الحسنة”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.