أي مفهوم للعطلة الصيفية.. وأية عقلانية لتدبيرها؟

0

ريحانة برس – محمد عبيد

كلما حل فصل الصيف الذي يتزامن وعطلة نهاية الموسم الدراسي من جهة، وعطلة أغلب الموظفين في القطاعات العمومية والخاصة على حد سواء، يطرح سؤال إشكالي ينضاف إلى زمرة الأسئلة الإشكالية التي يطرحها الإنسان على مدار السنة، وهي أسئلة تفتح أفق التخمين والتفكير الذي يطول مداه، بل قد يوأد في مهده، وما قد يترتب عن ذلك من تبعات لا حدود لها، وهي من قبيل: إلى أي وجهة يمكن أن يسافر المرء بمعية أسرته؟

هل إلى منطقة ريفية، حيث يفضل البعض الانطلاق في الفضاءات الجبلية وما تحتويه من مناظر طبيعية، تحفز على ممارسة الرياضات الجبلية، واستنشاق الهواء النقي الذي يبعث على الحياة مجددا بعد طول اختناق في مدارات ومتاهات المدن وعلبها الإسمنتية القاتلة؟ أو قد تكون الوجهة ساحلا بحريا من السواحل التي تخفف من وطأة الحرارة، لاسيما في المدن التي تشهد حرارة مفرطة في مثل هذا الوقت؟ هل تكون الوجهة مدينة من مدننا التي نعتز بالانتماء إليها، تشجيعا للسياحة الداخلية من جهة، ولإدماننا المفرط على اكتشافها من جهة أخرى؟ أم قد تكون الوجهة خارجية، إلى إحدى المدن الغربية؟

إنها أسئلة عديدة تطرح، وتراعي مدى الإمكانات المتاحة التي قد تيسر من تحقيقها وإنجاحها، وفي غياب هذا الشرط تظل الأسئلة معلقة إلى أجل غير مسمى بالطبع.

الأهم من هذا وذاك هو أننا نتساءل عن الجدوى من كل هذه الأسئلة، وما النفع الذي يمكن للمرء أن يحصده من خلالها، ذلك أن السفر هكذا دونما تخطيط مسبق، أو تفكير بناء في طبيعته وأبعاده وما قد ينجم عنه من نتائج، يصبح بلا معنى، وبلا ذوق، وبلا مردود ينتفع به.

ولهذا نجد الكثير من الناس يفكرون في كيفية قضاء عطلة الصيف، وكيفية الاستفادة من وقت الفراغ الطويل، ومكان قضاء العطلة، وما هي البرامج.

ويختلفُ الناس فيما بينهم على كيفيّة قضاء عطلة الصَّيف. فهناك من يرغب في السفر والاستمتاع بزيارة مدينة او منطقة غير التي يقيم بها، ومن يَوَدُّ قضاء وقت أكبر مع العائلة والذهاب إلى الأماكن التُراثيّة والطبيعيّة والجبلية او مناطق ساحلية.. وقد تُمثل تكلفة قضاء العطلة عِبْئًا مالياً إضافياً على الميزانيّة الشهريّة..

وإن كان البعض يُفضّل التَّخطيط والإعداد لقضاء العطلة مالياً من خلال تحديد التكلفة المُتوقّع إنفاقها، ومن ثم وضع خطَّة لادّخار المبلغ المطلوب قبل موعد العطلة. لكن المُهمّ أن تكون الخطَّة واقعية لا تفوق إمكانياتك المالية، لتستطيع الالتزام بها وتحقيق الهدف المطلوب.

الا اننا نلاحظ بأن العديد من الأسر المغربية ذات الدخل المحدود صارت لا تستفيد من عطلة الصيف، لعدة أسباب من بينها الأسباب التي تجعل مغاربة من ذوي الدخل المحدود يفضلون عدم السفر خلال فترة الصيف، ارتفاع أسعار الإقامة في بعض المناطق خاصة منها الساحلية… حيث قلة الحيلة والحاجة وقلة ما باليد، إذ لا يعقل لمياوم، أن يخصص جزء من راتبه المفترض لكي يستفيد منه في العطلة مثلا، وهل يمتلك راتبا قارا في الأصل، أو هل يستفيد من العطلة وهو بالكاد يعيش في الهامش؟…

فكما هو معلوم اكتوت بلادنا كجل بلدان العالم بفراغ ولمدة ازيد من سنتين من الخوف والانتظار والألم، جراء جائحة “كورونا” وما رافقها من الحجر الصحي والدراسي والتجوالي وبالتالي أدت الى تكريس تدبدب وضع اقتصادي واجتماعي… ومازاد همًّا للمواطن المغربي بعد رفع وانفراج هذه الآفة، هو ارتفاع تكاليف العيش من غلاء وضيق الحال واليد… حيث نسجل أن شريحة واسعة من الموظفين البسطاء، أو حتى من المحسوبين على الطبقة المتوسطة يعانون عسرا في العطلة الصيفية، وأن كثيرين منهم يمحوها من قاموسه ولو لأجل مؤقت، ذلك أن التنقل من مكان لآخر، والسفر من حيز لآخر أثناء الصيف يتطلب ميزانية ليست بالهينة، بحيث على هذا المسافر أن يكون له حسن تدبير لراتبه، وأن يكون هذا الراتب كافيا في الأصل حتى يمكنه أن يخصم منه أقساطا معينة وتخزينها إلى حين العطلة، ومن ثم يطرح سؤال القدرة على السفر، وهي ليست قدرة جسدية بالضرورة، ولكنها قدرة مادية بالأساس.

وهنا افتح قوسا للوقوف على مفهوم العطلة الصيفية؟ وعندما نقول العطلة الصيفية فإن مفهومها يفيد بأنها تلك العلاقة الناظمة بين الوقت وحسن تدبيره في سلوكاتنا اليومية عامة وفي فترات الراحة على وجه الخصوص، ذلك أن إمكانية استثمار العطلة تتأتى من أن نعي أولا قيمة الزمن وأهميته في حياة الإنسان، ثم ندرك إلى أي مستوى يمكن للإنسان أن يجعل من فترات العطل، خاصة منها عطل الصيفية..

هي مسألة تنظيم وتدبير عقلاني للزمن المخصص للعطلة، حتى يستفيد المرء منها، ويجدد الصلة بها وبالحياة والحركة والنشاط، فكم من عطلة لا تستجيب لمتطلبات العطلة، لأنها كانت شقاء ولم تكن سعادة، ولأنها كانت فوضى ولم تكن نظاما مسطرا مسبقا، وكم من عطلة خصصت لها ميزانيات محترمة، ولكنها كانت فاشلة، وبذلك فإنجاح العطلة الصيفية ليس رهينا بالماديات فقط، ولكنه يقتضي تدبيرا عقلانيا للزمن وتنويعا للأنشطة فيه، والانطلاق الحر، في المطالعة والفكر ومخالطة الناس والتعرف على عوائدهم وثقافاتهم وعقائدهم، وفي كل ذلك نعمة تريح المرء وتضفي عليه سكينة نفسية لا تضاهى.

كان الله في عون الأبناء والآباء على السواء، وهم يواجهون أشد المواجهة كل نهاية موسم دراسي، فراغ العطلة الصيفية المهول، وعلى حرارته المفرطة التي يستثقل فيها المرء فعل شيء أي شيء، وعلى قلة البرامج الصيفية المفيدة والممتعة أو إمكانية الاستفادة منها، عطلة وقيظ وحر مفرط وفراغ تعاود ورودها على الناس كل سنة دون جديد، غير تجاوزهم الكثير من الأشكال التقليدية والعادية لاجتياز العطلة، دون إبداع بدائل جديدة مفيدة وممتعة أو إيجاد الفرصة وإمكانيات الاستفادة مما هو موجود منها؟؟.

من حسن الحظ، أن كل الأسر ليست معدومة ولا عاجزة إلى هذه الدرجة الكاريكاتورية السوريالية، بل يمكنها القيام بدورها في تدبير فراغ العطلة الصيفية لها ولأبنائها، بما يلزم وزيادة، فقط بتوفير بعض الشروط لتدبير عقلاني للعطلة الصيفية..

كما أن هناك كثير من الأنشطة التي لا تزال صالحة لتجزئة العطلة بشكل مفيد وممتع إذا ما حظيت بالمواكبة والتأطير الأسري أو الجمعوي، كالمشاركة في الدوريات الرياضية بين الأحياء، أو الرحلات السياحية إلى الضواحي في المدن والبوادي، أو المشاركة في بعض المواسم المحلية والمهرجانات الوطنية، أو حملات النظافة في الأحياء والمساجد، أو ورشات تعليم الصنعة عند مهنيي الحي، أو القيام بمشروع تجاري صيفي معين…مع المواكبة والرعاية الأسرية والجمعوية طبعـا لأن الشارع والأقران وحدهم لا يربون؟؟.

وهنا نستحضر التساؤل التالي: “ما هي جهودنا كدولة وقطاعات وهيئات وأندية وجمعيات ومؤسسات في تدبير هذه الفترة الزمنية الطويلة والمملة عند الكثيرين، والتي تسمى عند الآخرين بالوقت الثالث؟”…

وتبقى المسؤولية الكبرى على الدولة وقطاعاتها الحكومية وسياساتها العمومية، فلا يمكن تدبير كذا معضلة فراغ سنوية عمومية بمجرد شبه الإهمال أو مجرد التطوع، بل لابد فيها من سياسات عمومية تقدم للناس خدمات عمومية تكون من حق وفي متناول الجميع في المدن والبوادي، تستوعب كافة الشركاء والفاعلين، ولها من البرامج والفضاءات، ما يستوعب جميع الفئات وفي جميع الأوساط، ما يكون ممتعا مواطنا ونافعا، يؤطره الأكفاء من المؤطرين الجمعويين وغيرهم من المسؤولين المعنيين بقطاعات الشباب؟

ومن أجل ذلك لابد من تكثيف مراكز الاصطياف والتكوين والترفيه عبر الشواطىء والجماعات والجهات والمنتجعات، لابد من تفعيل الهيئات والمجالس العليا المعنية بالأسرة والطفولة والشباب والعمل الجمعوي، لابد من فتح أبواب المؤسسات التعليمية والقاعات العمومية ومراكز الاستقبال والساحات العمومية وغيرها بمواكبة ودفاتر تحملات، لابد من استثمار العلاقات الدولية لتنشيط تبادل الرحلات والمقامات و تنظيم المخيمات والمهرجانات..؟، وكل هذا سيجعل المواطن – في الأول وفي الأخير – يعزز ثقته ومشاركته في ما تهتم به الدولة من توجهات و ترفعه من شعارات وعلى رأس ذلك : “الاستثمار في الطفولة والطفولة المبكرة” و”العناية بالتراث اللامادي والرصيد القيمي للإنسان” أو ما يعول على تحقيقه من هدف في النموذج التنموي الجديد: “الاهتمام بالبشره قبل الحجر”؟؟.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.