وجهة نظر قانونية في صدور أول حكم بتطبيق عقوبة بديلة

  • الكاتب : .ذ: الحسين بكار السباعي محام بأكادير
  • بتاريخ : 23 أغسطس، 2025 - 23:42
  • ريحانة برس 

    مما أثار الإنتباه حين تصفح بعض المواقع الاعلامية الرقمية، خبر صدور حكم عن المحكمة الابتدائية بأكادير في أول ملف تلبسي تقضي فيه بغرامة يومية 300 وفي قضية تتعلق بالمشاركة في الإتجار في الكحول .

    ومن المعلوم أن أي تعليق على الأحكام والقرارات القضائية كأدات علمية وقانونية تهدف إلى تحليل العمل القضائي وفهم اتجاهاته، لابد من توفر نسخة الحكم او القرار موضوع التحليل والإطلاع على حيثياته وتعليله قبل منطوقه ليتسنى الوصول إلى قراءة نقدية منهجية.

    إن أهمية مثل هذا القرار ومن وجهة نظرنا المتواضعة، وبخصوص ما ثم تداوله من حيث منطوقه، ورغم كونه الأول من نوعه على المستوى الوطني وتزامن تاريخ صدوره بالتنزيل الفعلي لقانون العقوبات ، أقول يحيلنا على نقاش قانوني وأكاديمي حول مدى إنسجامه مع طبيعة الأفعال موضوع المتابعة. فالجرائم الإقتصادية والإتجار غير المشروع، سواء في المخدرات أو الخمور بدون ترخيص، تقوم في أصلها على منطق الربح السريع، مما يجعل من الغرامة اليومية المحددة في مبلغ ثابت عقوبة محدودة الأثر، بل وقد تتحول إلى ضريبة تشغيل ميسورة أمام الأرباح الطائلة، بما يفرغ العقوبة من بعدها الردعي. كما يطرح الحكم تساؤلات جوهرية عن مدى تحقيق العدالة الإجتماعية، وعن إمكانية سريان هذه المرونة على جميع الفئات دون أستثناء، أم أنها قد تبقى امتيازا للبعض دون غيرهم.

    فالتجارب القضائية المقارنة، أظهرت أن العقوبات البديلة لا تترك مطلقة، وإنما تقيد بشروط صارمة تحفظ جوهر الردع. ففي التجربة القضائية الفرنسية قيد المشرع الفرنسي استبدال السجن في الجرائم الإقتصادية بضرورة تعويض الضحايا أو خدمة المجتمع، وقد رفضت محكمةu النقض سنة 2015 الإكتفاء بالغرامة في ملف الاتجار غير المشروع بالكحول لغياب أي أثر رادع. وفي إسبانيا يستثني قانون العقوبات الإسباني بشكل صريح جرائم المخدرات والجريمة المنظمة من مجال العقوبات البديلة، وهو ما كرسته المحكمة العليا سنة 2017.

    أما بألمانيا فترتبط الغرامة البديلة بمستوى دخل الجاني وفق نظام الـ Tagessätze، حتى لا تتحول إلى مبلغ رمزي، بينما أكدت محكمة النقض الإيطالية سنة 2019 إستبعاد العمل لفائدة المجتمع كعقوبة بديلة في قضايا المخدرات لخطورتها، وشددت المحكمة العليا الكندية في قرارها Proulx سنة 2000 على ضرورة مراعاة خطورة الجريمة والمنفعة المادية للجاني حتى لا يفرغ التشريع من غايته التي من أجلها ثم تشريعه.

    ومن خلال هذه السوابق القضائية الدولية ، يتبين أن جدوى العقوبات البديلة مرهونة بضوابط دقيقة، أهمها إستثناء الجرائم ذات الطبيعة الربحية غير المشروعة، وربط العقوبة ببرامج إدماج وتأهيل، وتوسيع نطاق البدائل لتشمل الخدمة الإجتماعية أو الحرمان من بعض الحقوق، وربط الغرامة بالدخل اليومي للجاني. فالتشريع قد يكون متقدما على الورق، غير أن التطبيق وحده يكشف مكامن الكمال والقصور.

    وعليه، فإن الحكم الصادر عن الغرفة التلبسية بالمحكمة الإبتدائية بأكادير، إن صح فعلا خبر صدوره ، وإن كان يحمل قيمة كبيرة من حيث تدشينه عهد جديد من السياسة الجنائية المغربية بتطبيق أول عقوبة بديلة في التاريخ القضائي المغربي الحديث، إلا أنه يظل محاطا بإشكالات حقيقية تتصل بمدى قدرته على تحقيق الردع الخاص والعام. فهو من جهة يعكس رغبة في التخفيف من الاكتظاظ السجني والإنخراط في العدالة الإدماجية وهذا هو عمق السياسة الحنائية الوطنية الجديدة، لكنه من جهة أخرى قد يفضي إلى نتيجة عكسية تتمثل في العود إلى إرتكاب ذات الجريمة.

     

    ختاما، إن بعض النوازل والأحكام المستقبلية ودخول القانون رقم 22/43 حيز التنفيذ، لا محالة سيجعلنا نستشرف مستقبل العقوبات البديلة والرهين بقدرة القضاء والمشرع معا على ضبط مجالها وتوجيهها بما يحقق الغاية الأولى هي حماية النظام العام و الثانية بتحقيق الإدماج الاجتماعي دون المساس بروح الردع.

    ذ/ الحسين بكار السباعي
    محام بهيئة المحامين لدى محاكم الإستئناف بأكادير وكلميم والعيون.
    مقبول لدى محكمة النقض.