حوار هادئ حول إنكار الوجود التاريخي للخليفتين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما

خطوط
Saturday، 07 December 2019
السبت
Powered by Spearhead Software Labs Joomla Facebook Like Button

لا تجعل الناس يظنون أنهم يعيشون في دوامة وهم تعيش فيه..منذ أيام قليلة أطل علينا أحدهم بتدوينة ينبه فيها إلى أن المصادر التاريخية الشاهدة بوجود الخليفتين أبي بكر وعمر منعدمة، لينزل بمقال مفصل قبل سويعات يوضح فكرته ويقويها بـ”الأدلة”..!

سامي فسيح - ريحانة برس

لا تجعل الناس يظنون أنهم يعيشون في دوامة وهم تعيش فيه..منذ أيام قليلة أطل علينا أحدهم بتدوينة ينبه فيها إلى أن المصادر التاريخية الشاهدة بوجود الخليفتين أبي بكر وعمر منعدمة، لينزل بمقال مفصل قبل سويعات يوضح فكرته ويقويها بـ”الأدلة”..!

فبدأ مقالته بتأسفه حول كوننا تربينا في مجتمع يخضع للعاطفة في كل ما يتعلق بتاريخنا وعلاقاتنا وديننا فتشربنا بغير مشورة منا كل تلك الأفكار لتصبح مسلمة تشكل موروثنا الثقافي، فلا نكاد نستوعب منطق العلم، الذي يؤمن بالدليل الملموس ولا شيء غيره..

وهذه دعاوى عريضة لا أجد لها في تراثنا النقدي بالدرجة الأولى ما يسوِّغها.. فالأمة الإسلامية أمة نقدية بالدرجة الأولى وذلك ظاهر من خلال عنايتها بالمرويات التاريخية، بالمروي والراوي وآفات الرواية ونقلها، وضبطها، وتتبع أحوالها.. فقعّدوا في التعامل مع تاريخهم قواعد وخطوا له المناهج ودفعوا عنه الأباطيل، متجردين من أي عاطفة تسيء إلى دينهم وتاريخهم، بل جعلوا في ذلك منطلقهم سوء الظن في كل معطيات التاريخ قبل إخضاعها إلى ميزان النقد، ورحم الله عبد الرحمن بن مهدي (ت198 هـ) لما قال: ”خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحكم والحديث”.

إنك تجد إذا بحثت أقوال المؤرخين والأكاديميين الغربيين والمستشرقين، الذين أشادوا بعناية المسلمين بتاريخهم، كالمستشرق الإنجليزي دافيد صموئيل مرجوليث، والدكتور الألماني أشبر نجر، وباسورث سميث عضو كلية التثليث في أكسفورد، والدكتور سبرنكر كان، والباحث المؤرخ النصراني أسد رستم، ورئيس قسم التاريخ في مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بلندن برنارد لويس.. وغيرهم ممن أعلنوا إعجابهم بالمنهج النقدي عند علماء المسلمين..

ثم يأتي هذا الرجل ليسفه آراء المتخصصين..!

مواضيع ذات صلة :

خصب الخيال .. لدى لمسيح المُتنصِّر والصحفي أيلال

ادريس الكنبوري يرد على صاحب كتاب أسطورة البخاري

ولي معه ذكريات من خلال كتابه سقوط أسطورة البخاري الذي تحدث فيه حول رأي الخليفة عمر بن الخطاب في الصحابي أبي هريرة، حيث يقول: ”وحين توفي النبي ولاه الخليفة عمر (عام 20 هـ) على البحرين بعد وفاة العلاء بن الحضرمي وسرعان ما عزله وولى مكانه عثمان بن أبي العاص الثقفي، أما السبب في ذلك فكان عندما أجاب الخليفة عمر بأنه – أي أبو هريرة- يملك عشرين ألفا من بيت مال البحرين حصل عليها من التجارة ”بقوله كنت أتجر” وكان رد الخليفة عمر: ”عدو الله والإسلام، عدو الله ولكتابه، سرقت مال الله، حين استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين ما رجعت بك أميمة – أمه – إلا لرعاية الحمير” وضربه بالدرة حتى أدماه..

وقد نقل هذا الكلام الباطل في كتابه لما كان يروم التشكيك في مصداقية أبي هريرة رضي الله عنه، ولكي يشكك فيه احتج بفعل عمر ابن الخطاب الذي لا توجد أي وثيقة تاريخية تثبت وجوده .. فما هذا التناقض؟!

إن صنيعه هذا لأقرب مثال على استعمال العاطفة والبعد التام عن التجرد والحياد العلمي، فهاهو يعمد إلى ظنونه ليبحث لها عما يقويها من الأدلة..

مغالطة الاحتكام إلى الجهل
هذه المغالطة المنطقية التي تنطلق من افتراض أنه طالما لا يوجد دليل على عكس الشيء فهذا يعني أن ذلك الشيء صحيح، وهو الواضح في قوله: “إذ أنه لتفنيد كلامي كان لزاما على من يدعي وجودهما أن يقدم بكل بساطة الوثيقة التاريخية لإثبات خطئي وتنتهي المسألة…”

وهذا ليس صحيحا فطالما أنه لا يوجد دليل في نظره، فهذا لا يعني عدم وجود الخليفتين..

وقد قام من الأدلة على وجودهما أقوى مما يدل على وجوده هو من خلال حسابه الفيسبوكي وتدويناته، ولعلنا إذا آخذناه بهذا المنهج التشكيكي الذي بدأ يوغل فيه إلى أبعد حد.. سنشكك في ما يُخطُّ من تدوينات ومقالات على صفحته الفيسبوكية، فما أدرانا أنه صاحبها ؟ (فمع ما عهدناه عليه من سرقات علمية من خلال دراسة كتابه سقوط الأسطورة) فالرجل خريج إحدى المؤسسات الابتدائية، ولذلك يملأ مقالاته التي يتبنى فيها كل يوم طرحا جديدا بثقة زائفة يحاول إظهارها عن طريق السب والشتم والاستهزاء من الباحثين والمؤرخين والأكاديميين المختصين والعلماء الذين أفنوا أعمارهم في النقد والتمحيص والتدقيق!

الدعاوى الكبيرة تحتاج إلى الأدلة الكبيرة
يبدو أن البداية الفعلية لمقاله تبدأ مع قوله: “لا يجادل الفقيه كثيرا في أبي بكر الصديق عندما ننكر وجوده بقدر ما يجادل في عمر محاولا إثبات وجودهما بروايات شفاهية تناقلتها الألسن كالشائعات..”

ويبدو من خلال هذا الكلام أنه حقيقة قد شكل قطيعة حقيقية مع المصادر العربية والإسلامية، وطفق يبحث عن أدلة من خارج هذه المصادر، أقصد المصادر الأجنبية التي شكلت من قبل قطيعة مع المنهج الفيلولوجي الذي كان يعتمده الاستشراق القديم.. فـ”الاستشراق الجديد” يعلن باستهتار عن إنشاء قطيعة بين الدراسات الاستشراقية والمصادر العربية الإسلامية التي استبدلها باستثمار المعطيات الأركيولوجية للوصول إلى الصورة الحقيقية لبدايات ظهور الإسلام.

جندي مسلم

على هذا النهج يمشي هذا الرجل.. بعد أن قرأ لبعض رواد الاستشراق الجديد، وهي مدرسة ”المراجعون الجدد” الذين يأتي على طليعتهم كبيرهم جون وانسبرو..

إلا أن رواد هذا المنهج الجديد ذهبوا إلى أبعد حد فأنكروا الوجود التاريخي للنبي صلى الله عليه والسلم رأسا متجاهلين الشواهد التاريخية الأجنبية الأرمينية والسريانية واليونانية وكذلك المخطوطات المبكرة للقرآن الكريم الشاهدة بالمصداقية التاريخية لوجود النبي صلى الله عليه وسلم، هذا المستوى الذي لم يستطع أن يفصح عنه هذا الرجل بعد…

وقد تشكل موقف هذه المدرسة تجاه المصادر العربية من خلال رأي أحد أرباب الاستشراق القديم، المستشرق المجري”غولد زيهر” الذي رآى أن التناقض بين تلك الروايات يحيل إلى الشك في جميعها.. وهذا الكلام طبعا فيه إجحاف ومحاولة لتجاوز مجهودات النقاد في نقد المرويات ورفع التعارض عنها، إلا أن الأكثر تهافتا هو إشادتهم بالمخطوطات والمصادر الغربية التي لا يمكن بحال أن تعتمد مصدرا من مصادر التاريخ المنصف، ذلك أنها كتابات تقف موقف المعادي لتلك القوة التي ظهرت حديثا والتي تعرف بالمسلمين، ونبي الإسلام.. ويظهر التحيز والعداء جليا لمن رجع إلى المصادر الأجنبية التي تحدثت عن تاريخ الإسلام المبكر..

فعلى الأقل قواعد النقد الحديثي التي عنيت بنقد الخبر التاريخي المتعلق بالإسلام المبكر، توحي لمن طالعها ودقق فيها بصرامة وحرص على مقاربة الحدث التاريخي كما وقع تماما، على عكس هذا المنهج التشكيكي الذي أتى بالهدم لا غير، ولم يأتِ إلى حد الآن ببديل علمي أفضل من قواعد النقد عند المحدثين ليقوم مقامها ..

فلا يمكن أبدا في أي حال من الأحوال أن ندخل في حالة من العدمية التاريخية نفقد معها هويتنا وتراثنا لكلام رجل ينقل من هنا وهناك ويقع في مغالطات لا حصر لها..

عقد الازدياد والحالة المدنية
كنت أتوقع أدلة جديدة يأتي بها هذا الرجل بعد الادعاء الكبير الذي أقدم عليه، لأجده بعد ذلك في مقاله يتحدث عن اختلاف المؤرخين حول اسم أبي بكر رضي الله عنه، في مقارنة لبعض الأسماء والكنى والألقاب التي عرفت عن أّبي بكر والتي تجمع كلها أن الرجل كان أبا بكر ولم يكن أبا فلان أو علان، فالرجل عرف بـ”أبو بكر”، ولا يهم اسمه إذ لم يكن الاهتمام آنذاك منصبا على اسمه في حياته ..

وطبعا لم يقصد والده المقاطعة لتسجيل اسم ابنه لتحفظه لنا مخطوطة الحالة المدنية المنتمية لإحدى المقاطعات لحي من أحياء قريش..

فإذا اختلف الناس في اسم هذا الرجل في يوم من الأيام – مع استحالة ذلك في عصر التكنولوجيا عكس ما كان عليه الحال إذا رجعنا بالأمر إلى أزيد من 1400 سنة – فاختلفوا في اسمه أهو رشيد أم سعيد فهل يعني ذلك انعدام وجوده تاريخيا؟!

ثم يقول: “إن الروايات الشفهية لم تستقر على شيء ولم تتفق على قصة ولا اسم ولا رواية، فحتى كتب الحديث تناقضت رواياتها “الصحيحة” في من كان مع الرسول في الهجرة هل هو أبو بكر أم شخص آخر؟ حيث نجد روايات تقول بأن من كان معه في هجرته هو أبو بكر، غير أن روايات أخرى تقول أن عبد الله بن أريقط هو من كان معه! وبهذا تضيع الحقيقة..”

وهذا غير صحيح.. فلو نظر في جميع الروايات وسلك سبيل النقاد ما قال هذا، وقديما قالوا : إذا لم نجمع الحديث من سبعين وجها لم نعقل معناه، مما يحيل إلى ضرورة جمع المرويات ومقابلتها حتى تتضح الصورة، فليس كل راوٍ مُطالبا بأن يحكي كل الأحداث، بل تجمع الروايات ليُفهم الحدث كاملا، ولعله بعد جمعه لها اطلع إلى رواية واحدة من الموروث الروائي الصحيح، لرُفع عنه اللبس، ففي الحديث المشهور جدا حول صفة النبي صلى الله عليه وسلم، حين وصفته أم معبد الخزاعية لزوجها، يتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج منها مهاجرا مع أبي بكر ومولاه عامر بن فهيرة ودليلهما الليثي عبد الله بن أريقط، حيث قالت أنه أنظر وأجمل الثلاثة [المعجم الكبير للطبراني (4/48)]..

وهم الإعلام واللقاءات التلفزيونية مع حكام الإمبراطورية الإسلامية
هناك وثيقة سريانية معاصرة لمعركة اليرموك تذكر محمدا صلى الله عليه وسلم كتبها راهب سرياني في أحد أديرة الجابية في الجولان – حوران، بتاريخ عام 636 م والتي تتطابق تماما مع ما عند المؤرخين المسلمين حول هذه المعركة التي كانت بين المسلمين والروم.. وتجدر الإشارة أنها ذكرت محمدا عليه الصلاة والسلام ولعلها كانت تجعله طرفا في هذه الحرب، في حين أن الفترة التي عاشها النبي صلى الله عليه وسلم هي بين : 569م و 632..

وهو نفس الأمر الذي حدث مع وثيقة أخرى تؤرخ لفترة ما بين 634م-640، والتي تعرف بتعاليم يعقوب المتنصر حديثا، حيث يعرض ما كان متداولا آنذاك من كلام حول ظهور النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان قادما مع السرسانيين (العرب) إلى إحدى المدن الفلسطينية، وكذلك ما تم ترويجه في الكتابات الأجنبية حول كون محمد وثنا كان يعبده المسلمون إلى غيرها من الاعتقادات الخاطئة السائدة آنذاك تجاه الإسلام.. مما ينزع تماما المصداقية عن أي وثيقة خارج الدائرة الإسلامية التي توثق للأحداث عن طريق معاينتها والعيش داخلها..

فلا يمكن فهم الواقع آنذاك إلا من خلال الانسلاخ من واقعنا الحالي الذي يجعل – عن طريق الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي – من بعض الشخصيات التافهة أكثر شهرة من بعض العلماء والباحثين الذين قد ننكر وجودهم التاريخي في يوم من الأيام عندما لا نجد لهم على اليوتيوب مقطعا مرئيا (على مذهب هذا الرجل..).