روبير ريشارد

خطوط
Powered by Spearhead Software Labs Joomla Facebook Like Button

روبير ريشارد - ريحانة برس

موقع ريحانة بريس ينشر مراجعات الامير الاحمر روبير ريشارد التي اخرجها الدكتور الكنبوري في كتابه المعنون بسلفي فرنسي بالمغرب.(الجزء الثالث)

أي محاولة لربط الدعوة السلفية بالجهاد المسلح ما هي إلا تلبيس على الناس، وتزييف معنى الدعوة السلفية الصحيحة، قام به بعض المبتدعين، ففاض غيظهم وحقدهم على الناس، لعله لأسباب شخصية. وللتعرف على انحرافهم عن الدعوة السليمة فلا بد من التعرف على حقيقة الجهاد الذي قام به نبينا صلى الله عليه وسلم، والأسباب التي جعلته يقوم بغزواته.

لا أحد يستطيع أن ينكر أن في القرآن عدة آيات تدعو إلى القتال. لكن لفهم هذه الآيات فلا بد من ردها إلى الظروف التي نزلت فيها، ومن أجلها. فعند تتبع التسلسل التاريخي لنزولها يتجلى أن جميع حروبه صلى الله عليه وسلم كانت دفاعية وليست هجومية. ومن الجدير بالذكر أن في بداية نبوته صلى الله عليه وسلم كان القتال محظورا حتى يتبين للناس أن الإسلام دين رحمة وتواصل وليس دين تقتيل وخراب. فما أذن الله بالقتال إلا عندما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان القتال في سبيل الدفاع عن النفس والمال والوطن الإسلامي الجديد. فأنزل الله "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"، فكان سبب القتال ردع المشركين ليكفوا عن عدوانهم. وهذه الآية ليست منسوخة لأن الله قد علل النهي عن العدوان بأنه تعالى لا يحب المعتدين. فالنهي إذن محكم غير قابل للنسخ، لأن الإخبار عن الله تعالى لا يدخله النسخ. فالذين لا يبدأون العدوان لا يجوز قتالهم ابتداء، لأن الله نهى عن الاعتداء والبغي والظلم، وجميع غزوات النبي صلى الله عليه وسلم كانت على هذا المنوال. فلما تجمع أهل مكة ورموا المسلمين عن قوس واحدة أمر الله بقتالهم جميعا، فقال"وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة""[التوبة 36].

أما قتاله صلى الله عليه وسلم لليهود فكان بسبب نقضهم الميثاق الذي كان يربطهم بالمسلمين، وبسبب انضمامهم إلى المشركين والمنافقين ضد المسلمين، فوقفوا مقاتلين في غزوة الأحزاب فأنزل الله:"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب"[التوبة 29]. أما قتاله المشركين من العرب فبسبب نقض عهودهم بعد فتح مكة، فكان ذلك جاريا على هذه القاعدة. وهذا مثل قوله تعالى:"ألا تقتلون قوما نكثوا إيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة""[التوبة 13].

أما النصارى فلم يقاتل الرسول أحدا منهم حتى أرسل حتى أرسل رسله بعد صلح الحديبية إلى جميع الملوك يدعوهم إلى الإسلام، فدخل من النصارى من دخل في الإسلام، لكن من بقي منهم على دينه حارب المسلمين الجدد، وقتل كل من أسلم منهم، فلما بدا النصارى في قتل المسلمين الجدد أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية أمر عليها زيد بن حارث، وهو قاتل قاتله المسلمون للنصارى، وكان بـ"معونة" بأرض الشام.

فمن خلال ما تقدم يتبين أن الإسلام لم يأذن بالحرب إلا دفاعا ضد العدوان وحماية للدعوة ولحرية التدين، فإنها حينئذ تكون فريضة من فرائض الدين ويطلق عليها اسم الجهاد.

أما فيما يخص كلام الإمام الطحاوي، فلفهم قصده لا بد من معرفة سبب تأليفه عقيدته الشهيرة، فذلك كان ردا على الروافض(طائفة من الشيعة الإمامية). فبما أن الروافض لا يرون الجهاد أو الحج إلا مع إمامهم المعصوم ذكر الإمام الطحاوي أن الجهاد والحج ماضيان إلى يوم القيامة مع ولي أمر المسلمين، إذا اقتضى الحال، أي في حالة الدفاع، فكان قصده بيان ضلال الروافض لا أن الجهاد واجب على الأمة في كل زمان ومهما كانت الظروف والأحوال.

أما فيما يخص إبن حزم، فلا نحتاج إلى بيان بطلان ادعائه، فإنه إمام الفرقة الشاذة الظاهرية التي انفردت بأقوال شنيعة جدا.

أما فيما يخص قوله صلى الله عليه وسلم"أمرت أن أقاتل الناس... إلى آخر الحديث" فهذا حديث عام مخصص بما ذكرته سابقا، لأنه كما هو معروف عند الأصوليين أن العام يرد على الخاص، فمعنى الحديث أن قتاله صلى الله عليه وسلم كان دفاعيا لحماية دعوته والمؤمنين الجدد، أما في عصرنا مع عولمة مبادئ حقوق الإنسان التي تضمن للجميع حق التدين فلا حاجة لإقامة الحروب في سبيل الدعوة، ولا معنى لذلك.

مسألة التكفير

إن مسألة التكفير هي من أخطر الأمور شأنا، إذ من أشنع ما يمكن أن يوصف به الإنسان المسلم هو اتهامه بالكفر والزندقة(النفاق)، كما قال صلى الله عليه وسلم:" إن من أربى

الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق"(9)، وقال صلى الله عليه وسلم" إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يرى بها بأساً فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً"(10).

وليكن في علم الجميع أن التكفير حكم من أحكام الشريعة، وبذلك فهو من خصوصية المجتهد الذي قد بينت شروطه عندما تحدثت عندما تحدثت عن أقسام الناس اتجاه العلم الشرعي. فلا داعي لإعادة شرحها. لكن من الجدير بالذكر أنه عبر القرون كانت مسؤولية التكفير على كتف نخبة من المجتهدين الذين كانوا يجتمعون سمي بمحكمة الردة. وسبب وجود مثل هذه المحاكم التي تنافي حرية التدين راجع إلى الظروف السياسية التي كانت تفرض على الدولة أن تكون شمولية واستبدادية لكي تحافظ على استمرارها لأنه لم تكن هناك اتفاقيات دولية تحمي الدولة الإسلامية من الأطماع الخارجية، لكن في الوقت الحالي مع عولمة حرية الاعتقاد والتدين التي تتمتع بها شعوب الدول القوية والضعيفة على حد سواء، فلا غاية من وجود مثل هذه المحاكم لأن المحاكمين لم يعودوا يشكلون أي خطر على استمرار ودين الدولة المسلمة بكل مكوناتها، وبدل وجود مثل هذه المحاكم في المغرب الحبيب توجد رابطة العلماء التي تقوم بمهمة إصدار الفتاوى، لكن دورها دور إصلاحي وتنبيهي وتربوي، المتوافق مع

متطلبات العصر وفلسفة الدين الحنيف المتمثل في قوله تعالى"لا إكراه في الدين""[البقرة: 256].

من هنا يظهر جليا أن الجهاديين لم يحترموا لا العلماء ولا العلم الشريف، عندما تجرأوا على إصدار فتاوى تكفيرية كانت سبب الفتنة التي خربت ديار كثير من الدول الإسلامية، وتوشك أن تخرب الديار المغربية لولا يقظة السلطات الأمنية والمجتمع المدني. زيادة على هذا فإن الجهاديين لم يثبتوا القواعد والضوابط في التكفير. ولكي نطلع على الأخطاء التي ارتكبوها في المسألة فلا بد من التعرف على القواعد التي وضعها العلماء في ضبط المسألة