مغربي ينتمي لتنظيم الاختيار الإسلامي يكتب : قصة تشيعي الحلقة (2)

خطوط
Powered by Spearhead Software Labs Joomla Facebook Like Button

عبد المجيد ح - ريحانة برس

يحمل معه عنوان تأصيل المشروع الفكري بما ينسجم مع الهوية المذهبية للحركة الإسلامية وهي هوية سنية كما هو معلوم..

فكنا نحن أنصار التأصيل على قاعدة الهوية وعلى قاعدة الفقه السياسي الإسلامي من يكتوي بنار التأصيل , حيث النتائج التأصيلية لم تكن تعبر عن طموحاتنا وتطلعاتنا الرسالية , إذ كنا نحمل في أذهاننا وأفئدتنا مشروعا رساليا ذو قسمات كفاحية , يعبر عن تطلع كبير نحو أفق الشهادة الحسينية , وقد ملأت رؤوسنا أقوال علي (ع) في مختلف المجالات وكنا نستوحي منها أفكارا عظيمة في عملنا الإسلامي..

تمثل التحدي في مراجعة التراث الإسلامي بمجمله وليس جانبا منه كما فعلت بعض قيادات الحركة حيث دخلت في عملية المراجعة تلك على خلفية انتماء مسبق للمذهب السني, لا لسبب سوى أن الغالبية الساحقة من المغاربة سنة , وهم ورثوا تسننهم من آبائهم , كان نقدنا منصبا على هذه المسألة , وقلنا بأن علينا أن ندخل غمار البحث الهوية دون أحكام مسبقة أو خلفية وراثية , مما يستدعي منا الكثير الكثير من التجرد والموضوعية واتخذنا شعار (الحق أحق أن يتبع).

في بداية انفتاحي على الفكر الشيعي عقديا - مذهبيا وليس سياسيا - ثقافيا لأني كنت من أنصاره منذ صباي , قرأت كتابا إسمه (في ظلال الوحي) للسيد علي فضل الله الحسني ولم أقتنع بطريقته في طرح القضايا , إذ كان يعتمد على الأحاديث في الغالب دون توثيقها , وكنت أشكك في نسبة هذه الأحاديث وصحتها وأرتكز في ذلك على عدم إيراد الكاتب للمصدر وتوثيق الشاهد..

وبعدها قرأت كتابا إسمه (مظالم أهل البيت (ع)) وقد تأثرت لما فيه من مآسي أهل البيت (ع) غير أنه كان على منوال المؤلف السابق , وكان يذكر بعض الأحاديث الغريبة والتي يتقبلها عقلي آنذاك , ولذلك توقفت عن البحث في كتب الإمامية , وبدأت البحث في كتب الزيدية , وأعجبت بالمذهب الشيعي الزيدي , حتى كنت قريبا من اعتناقه لخلوه من الخرافات ولتوثيق أصحابه مطالبهم ولقربهم من الفريقين: السنة والشيعة , ولتقديسهم أهل البيت (ع) ولكونهم خط ثوري إسلامي تاريخي , وكل شىء كان يشجعني على اعتماد هذا المذهب , إلا أنني عندما قرأت كتابا لأحد مفكري الزيدية المعاصرين وهو (زيد علي الوزير) ويحمل الكتاب إسم (محاولة في تصحيح المسار) فإنه كان يدافع عن الخليفة الأول ويعتبره اجتهد وأخطأ في قضية (فدك) لكنه عاد في آخر فقرة من هذا الفصل وطرح إشكالا قال أنه لم يجد له جوابا إلى الآن وهو: (لو كان الخليفة الأول اجتهد في عدم توريث ابنة رسول الله فدكا , بدعوى عدم انتقال ميراث النبي (ص) , فلماذا أورث ابنته عائشة دار رسول الله (ص) ؟!

وكان التساؤل الذي طرحه هو الذي جعلني أتراجع عن قراري باعتماد المذهب الزيدي فرحت أبحث في كتب أكاديمية مستقلة , لعلي أجد حلا وكنت لا أنام الليل وأبقى أفكر في الموضوع بشكل غريب , حتى انزعج مني من حولي , وكنت أعتبر أن الحسم في القضية المذهبية مصيري , ففتحت مجلات أكاديمية مثل (الإجتهاد) البيروتية , وقرأت ما كتبه محمد عمارة والفضل شلق ورضوان السيد وآخرون كثيرون , غير أنني كنت أسجل عدة ملاحظات نقدية على ما يطرحونه في سياق البحث التاريخي والمذهبي , فكانت هذه الكتب تزيد الطين بلة..

كنت قد انتهيت في إطار سرد قصة استبصاري عند لحظة التوقف عند الكتابات الأكاديمية المتخصصة , لمعرفة حقائق العقيدة واستخراجها من دهاليز التاريخ والسياسة ..

وكنت أعتقد أن النزعة المذهبية لدى السنة والشيعة تجعل من وجود كتاب علمي حقيقي مسألة شبه مستحيلة إن لم نقل أنها مستحيلة بالفعل ..

فرحت أدور وأفتش عن تلك الحقيقة المغيبة عن وعينا قسرا , لعلي أجدها في تلك الكتابات ظنا مني بأنها مستقلة أو أنها أفلتت من قبضة المذهبية ورواسبها السياسية..

لكنني ما ازددت إلا حيرة , حيث وجدت تشكيكا في كل المذاهب الإسلامية , وتصويرا لكل الخلاف التاريخي بكونه خلاف سياسي في عمقه يتستر بستار العقيدة والدين ..

فأحسست أنني في غمرة أحزاب سياسية حريصة على نيل السلطة وافتعال الصراع من أجل انتزاع منافع ومواقع على قاعدة السلطة ورهاناتها الضيقة..

فقلت في نفسي: (إذا كان الأمر كذلك , فأين الحق الذي لا يمكن له أن يزول من ساحة الواقع ومعاناته , لا يمكن أن يكون الكل على باطل , وما هو المشروع البديل لدى هذه المجلات , فتبين لي أن مشروعها هو اللامشروع وهدفها إثارة الشك في كل المذاهب الإسلامية تمهيدا منها القارئ والباحث نحو اعتناق الفكر العلماني..

وهنا بدأت أعي خلفيات تلك المجلات والكتب وبدات الرحلة من جديد , وسمعت في تلك الفترة بوجود كتابين مهمين للشيعة الإمامية هما: (معالم المدرستين) للسيد مرتضى العسكري وكتاب (المراجعات) للسيد شرف الدين الموسوي العاملي , فقررت شراءهما , وإعادة النظر في كتب الإمامية , لعل الكتب التي قرأتها في البداية لم تكن جيدة أو أنني لم أعرف جيدا خلفياتها..

مع بداية قراءتي لكتاب (معالم المدرستين) وخاصة في فصل (عدالة الصحابة) لاحظت مدى هشاشة مفهوم الصحابي , ورأيت أن من هبّ ودب سمي صحابيا , ومن ثم حاز على حصانة أقوى من الحصانة الديبلوماسية , وهي حصانته من إجراء قواعد الجرح والتعديل عليه , فرأيت أن العشرات إن لم نقل المئات قد أفلتوا من هذا القانون الصارم الذي وضعه علماء الرجال , مما يعني أننا أمام كارثة حقيقية , وهي كارثة إمكان الدس والوضع والتدليس والتزوير .. في الحديث النبوي الشريف..

فقد كان مفهوم الصحابي يدخل من رأى رسول الله وسمع منه وآمن به ومات على الإسلام واشترط بعضهم أن يقاتل معه , وأدخل بعضهم صغار السن وما شابه ذلك..

لكن الطامة الكبرى التي لم يجيبوا عنها وهم في صدد وضع مفهوم الصحابي هي:

ما هي الضابطة التي من خلالها تعرفون أن فلانا من الصحابة كان قد آمن ومات على الإيمان..

ونحن نعرف أن المنافقين يعلنون إيمانهم ويبطنون الكفر وجلهم ماتوا على تلك العقيدة خوفا على نفسه من سيوف الإسلام؟!

ومن جهة أخرى لاحظت أن هناك مستندات روائية حديثية للشيعة الإمامية موجودة في صحاح أهل السنة , وأعتقد أنها كانت مستندات مزعجة ولا تزال لعلماء أهل السنة والجماعة , حتى أن الألباني حاول التملص من هذه الورطة الكبيرة بادعائه أن أهل السنة لا يعتقدون بصحة كل ما في البخاري ومسلم , فراح يعلن مراجعة نقدية للمجموعات الحديثية ..

وليظهر بمظهر المجدد والناقد العقلاني مع أنه في الواقع حركته مخاوف المد الشيعي واقتراب سقوط أوراق التوت..

من هنا كانت نهاية البداية , وبداية النهاية:

نهاية وعي تم تسطيه وتعليبه وبداية نهاية الأزمة في البحث عن مخرج وعن حقيقة مغيبة ..

أسأل الله تعالى أن يعينني ويعين من سار على هذا الدرب ليصل إلى معارج الحق واليقين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته