يوسف الطويل : نساء تحت الساق

خطوط
Powered by Spearhead Software Labs Joomla Facebook Like Button

يوسف الطويل - ريحانة برس

لنمتطي قارب الجنون كي ننجو بأرواحنا من طوفان المنطق ، ولنخلع السترات الواقعية ونتحمل كامل المسؤولية فلو كانت البدلات الواقعية تحمي من الخطر لارتديناها لتقينا من مآسي الحياة ،

هكذا يتحدثن غالبية النساء المطلقات عندما تقابل إحداهن أول رجل بعد انفصالها ، تتجرع الوهم راضية عليه بشغف وتخرج من فوهها كلمات براقة كسراب ينفلت من بين شفتيها ثم تقطب حاجبيها عند الإدراك ولا تتراجع عن أقوالها أبدا ، توحي بالتحرر والإنفتاح بعد أن ضاق بها الحال بين جذران الإنغلاق والنكوص وتصبح تتدحرج بين قوى لا إرادية تحركها وتدفعها لارتكاب الممنوع وبين تقاليد مجتمعها المنبوذة من رحمته.

في اللقاء الأول تقابلك بترحاب وألفة بالغة ، تتدلل عليك وتتبسط معك ولا تأكل أبدا ، وعند المساء تترك لك قبلة في عنق القميص وتضع خطا بأظافر سبابتها يسيل من على كتفك كدمعة خفيفة حتى لا تفكر في نهاية السهرة ، تتابعك باتصالاتها الهاتفية التي لا تنتهي حتى وإن كانت هي المتنقلة فهي لا تريد أن يغيب خيالها من بالك مهما طردته يعود ليقبع في مخيلتك ، ترسل عشرات الصور المأخوذة بعدستها لتلح عليك مقنعة إياك أن ليس مثلكما في الوجود ، وفي اللقاء الثاني تتقلب بين ذراعيك وتتركك كعنجة ترعى الأخضر واليابس وهي كأرض بور قاحلة لا تروى من مياه أمطارك المتذفقة بين فخذيها ، ولا تتأوه ، بل تتدافع إلى مخيلتها ذكرياتها مع زوجها السابق في علاقتهما الحميمة والوضعيات التي مارساها بين الظلمة والنور إلى أن تسقط بجانبها تلهث ككلب ضمأى ، هذا إن لم تدفعك للتوقف وتبعدك عنها بعدما أحست بأنك مجرد وحش ينخر في لحمها القذر يهتز فوقها ويضايق أنفاسها فتلبسك نجاسة حملتها على عاتقها منذ زمن الهجران الذي عانت فيه ما كانت تتجنبه دائما ، ثم بذلك قد تكون سببا في آخر ليلة تضع مساحيق على وجهها قبل النوم وارتداء أحسن ما لديها من القماش استرجاعا لثقتها في نفسها.

من البداية اختارت أن تتزوج برجل ناجح يدافع على حقوق المرأة وشرفها ومكانتها في المجتمع وألا يقترب من مدخولها وقرا باحتياجاتها وخصوصياتها بينها وبين نفسها والمجتمع النسائي ، تتدرب على يده في شتى المراحل والطرق الجنسية حتى لا تستطيع أن ترى البديل ، أما زوجها فيعطيها بظهره ويتركها تشتعل نارا ويخلق مسافة طويلة بينهما وتزداد طولا مع مرور الوقت من فرط اندماجه في عالم السياسة أو الأعمال ، فتتحول هي من مرأة معاصرة الزوج آخر انشغالاتها إلى مرأة تقليدية همها الوحيد أن تجالس زوجها طوال اليوم وعلى رأس كل دقيقة يذكرها بأنه يحبها ولا يفكر في غيرها ، وسرعان ما تجد نفسها مجرد لوحة معلقة في بيت قد تطرد منه يوما ما تتنفض من مكانها وتلاحق شبان المقاهي والشوارع لتنال حصتها منهم ويفك قيدها وتطلق العنان لأنوثتها مهما كلفها الحال من ثمن ، وأول ما تهوى عليها صفعة أحدهم تتراجع إلى الوراء وتعود إلى جحرها القديم خائفة مذعورة.

مواضيع ذات صلة :

خيطي بيطي .. هنا " التركية للطيران "

امرأة بلا رحم حكايا من همس الذاكرة

ليلة الشهادة في " القلمون" للروائي سليمان الهواري

على هؤلاء الذين غائصون في أمواج الحيرة والخجل ألا تطأ أقدامهم عوالم النساء الموازية لعالمهم المعزول قبل أن تكون لهم استراتيجية محكمة في تسيير العلاقات وأخذ الحيطة والحذر من بؤرات الانتقام عند الأخريات وتجنبا للسقوط في غيابة جب لا مخلص فيه ولا كريم ، وعليهم بالحشمة وليتلطفوا حتى تبلغ تجاربهم حد كل ما هو بديهي ومتوقع منهن ، وليدسوا على مخاوفهم عازمين غير مترددين في أن ينالوا مرادهم وأن يشبعوا غرائزهم وشهواتهم ، فلطالما أعرضوا عنها سيقعون عرضة للمحاسبة على ذلك لا محالة.

كن ابن القحبة أو مت منتحرا ، حقا أنت جالس أمامها في مقهى راقي يوحي بالأرسترقراطية الضاربة في الجذور ، فإياك أن تعتقد أنك الوجه الوحيد الذي تنظر إليه لطالما هناك وجوه مترددة على طاولتكما فهي لا تغادر المكان حتى تخطف منك لحظات مسروقة من بصرها المفتول ، فلا تلعب بأصابعك إذ كانت ذات أظافر متسخة أو تبتسم بالعريض وأسنانك يغزوها اصفرار مياه ملوثة أو سواد دخان سيجارة تلعنك ككل صباح ، فأكثر الأشياء هي لها اهتماما لحية غير مهذبة تعبث فيها بأناملها الرقيقة وتداعب وجنتيها بخدودك الملتحية حتى يغيب عقلها بالكامل ، تمتع نظرها بالساعة المحكمة في يمناك أو يسراك فعلى اليد الأخرى ألا تكون شاغرة ، وليكن مظهرك الورقة الرابحة بين كل النساء المرصعة عقولهن على لوحة الشطرنج ، حينها سيسهل عليك التلاعب والتحكم في كل زمام الأمور وستجعل من الملك الأقوى على الملكة مهما بلغت الإنتصار على خصمها.

لا يغرنك تسميتك بحبيبي مع زفير كان او شهيق طويل أو امتعاض الشفتين فإن لم يكن ذلك عن شهوة فهو للتسلية فقط ، وتأكد أنها ستهجرك قبل بزوغ الفجر وقبل أن تجف قطرات منيك من على فراشكما ، وأحيانا إذا كانت تلوي على شيء فهي ستضغط على مخارج ألفاظها وهي تنساب ببطء من بين شفتيها الرفيعتين وستعود مفاوضتكما إلى نقطة الصفر لأن دائما ضميرها سيصحو فجأة مستدعيا معه دموع على عجل دون أن تكون قد عملت له حسابا ، وستكتفي هي بهذا القدر متملصة من الصحوة المباغثة متعمدة دفنها بأعماقها هاربة إلى أزقة علاقتكما الزائفة ، حينها إن لم تدرك الوضع ساعتها قد تكون رميت بنفسك إلى الإنتحار جبانا مازوشيا راضيا تحت رحمة ساديتها.