الدكتور محمد وراضي

خطوط
Powered by Spearhead Software Labs Joomla Facebook Like Button

هذا الثالوث قديم قدم البشرية، فإن كان التطرف يعني تجاوز حد الاعتدال، فإن المغالاة تعني استعمال شيء يتجاوز حدود الدين الحق، والمبادئ الأخلاقية السامية وكل ما هو معقول.

الدكتور محمد وراضي - ريحانة برس

هذا الثالوث قديم قدم البشرية، فإن كان التطرف يعني تجاوز حد الاعتدال، فإن المغالاة تعني استعمال شيء يتجاوز حدود الدين الحق، والمبادئ الأخلاقية السامية وكل ما هو معقول.

فلنتوقع اتصاف الأفراد والجماعات بهذا الثالوث الذي يؤدي إلى الهدم والتخلف، بعيدا عن مساهمته في البناء والتقدم. وعليه يلزم الحديث عن تطرف ومغالاة وإرهاب الدول والأحزاب، والمنظمات السياسية والإجرامية عبر العالم. ونذكر كيف أن الإسلام لم يغفل الكلام عن هذا الثالوث البشع الذي يمارس من جهات عدة.

ولما صح أن التطرف والمغالاة مترادفان، نورد ذكر القرآن لهما في سورة "النساء" حيث يقول سبحانه: "يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة إنتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا".

فقد غلا اليهود في عيسى وقذفوا مريم! يعني لأنهم اتهموها بالزنا! وغلا المسيحيون فيه حتى جعلوه ربا. فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر. ولذلك قال مطرف بن عبد الله: الحسنة بين سيئتين (= الإفراط والتفريط). وقال الشاعر:

وأوف ولا تستوف حقك كلــــــــــــــــــه         وصافح فلم يستوف قط كريم

ولا تغل في شيء من الأمر واقتصـــــد         كلا طرفي قصد الأمور ذميم

وما استنكره القرآن الكريم من مغالاة اليهود والنصارى، أكده فيلسوف فرنسي مسيحي هو فولتير الذي تحقق فيه قوله تعالى: "وشهد شاهد من أهلها". فماذا قال الفيلسوف الفرنسي الدائع الصيت؟

قال بخصوص اليهود: إن قسما بأكمله من العهد القديم (يقصد التوراة) يعتبر بأنه حرر بيد موسى نفسه. فهل هذا الأمر صحيح؟ يجيب فولتير بالنفي فيقول: أولا إن موسى لا يتحدث عن نفسه إلا بصيغة الغائب، فإذا لم يكن دليلا كافيا، فإنه على الأقل قرينة عدم الصحة. ثم إن المؤلف يصرح بأنه يكتب "من وراء نهر الأردن". ولكن موسى لم يعبر الأردن طيلة حياته. كما أن مواقع عدة سميت في الكتاب (أي الثوراة) بأسماء لم تطلقعليها إلا بعد وفاة موسى بقرورن كثيرة. وهذا يدعو إلى الدهشة الكبيرة. ولكن المفاجأة العظمى أن موسى يروي فيه قصة وفاته بشتى ظروفها وتفاصيلها. ويدعونا فولتير إلى اجراء تحقيق مماثل بصدد سائر نصوص الكتاب المقدس. فكثير منها لا يصمد أمام البحث والتمحيص.

ويخلص فولتير إلى القول: كلا إن التوراة لا توحي بأنها كتاب أملاه الله. بل توحي بأنها كتاب وضعه سكير جاهل في مكان من أمكنة السوء".

 وماذا قال بخصوص وقائع الإنجيل؟ قال: فلنتفحص الآن العهد الجديد: إن حظه من الاحتمال العقلي ليس بأوفر. فالأناجيل ليست متكاملة فيما بينما. بل تتناقض وتتعارض، ولا نجد فيها نفس الأنساب ولا نفس المعجزات، ولا ذات الأقوال ولا ذات الأفعال. كان لا بد من تجميل الوقائع استهواء للجماهير. فجملها بعضهم بشكل وبعضهم بشكل آخر.. ثم انتقل إلى الحديث عن الكنيسة والثالوث فقال: أخذ كل من الكنيسة والآباء المقدسين على عاتقهم أن يجعلوا الديانة المسيحية أقل تماسكا. ألا إنهم هم الذين يدعوننا إلى الإيمان بالثالوث الأقدس، الأمر الذي يشكل سانحة لمجادلات دامية. ولكن لا توجد كلمة واحدة عن ماهية هذا الثالوث في الإنجيل. إنما تبحثه مؤلفات الأفلاطونيين الحديثين. وهم الذين يعرضون قانون الإيمان على أنه المبدأ الذي أملاه الحواريون. ولكن هذا النص لم يدون إلا في عهد جيروم، أي بعد انقضاء أربعمائة سنة على وفاة معاصري ياسوع المسيح. وهم الذين يؤكدون عصمة المجامع المقدسة عن الخطأ، ولكن هذه المجامع على غير وفاق...

حقا إن المسيحية تطلب إلينا أن نصدق ما هو مخالف للعقل، وغير قابل للتصديق، بل ما ليس بالمحتشم، ولا بد لنا كيما نعتبر أساطيرها كأشياء طبيعية، أن نتحلى بإدراك يخالف إدراكنا تمام المخالفة.

هنا نتساءل: هل تم تحريف وتشويه ديننا كما تم تشويه وتحريف كل من التوراة والإنجيل؟ اعتمادا على أدلة قاطعة لا يتطرق إليها أدنى شك؟ هذا السؤال قدمت إجابات عنه في أكثر من مؤلف لي، مع حرصي المستمر على ربط الإيمان بالعمل، أو على ربط النظري بالتطبيقي، وهذا ما سوف أوضحه فيما يلي من هذه السلسلة التي أقصد من ورائها خدمة الدين والدولة في آن واحد.

حقوق الانسان