تنسيقية المسيرة العالمية للنساء بالمغرب : النساء تؤدين ثمن السياسات الطبقية الرجعية وتواجه الفساد والاستبداد

منذ 8 مارس الماضي، أي خلال سنة من سن قوانين الطوارئ الصحية بالمغرب، عرفت أوضاع النساء ترديا كبيرا بسبب وقع الأزمة الاقتصادية الخانقة الناتجة عن انعكاسات جائحة كورونا عليهن، وتأثير السياسات التي اتبعتها الدولة في هذا الإطار على حقوقهن المنتهكة أصلا.

0

الرباط – ريحانة برس 

منذ 8 مارس الماضي، أي خلال سنة من سن قوانين الطوارئ الصحية بالمغرب، عرفت أوضاع النساء ترديا كبيرا بسبب وقع الأزمة الاقتصادية الخانقة الناتجة عن انعكاسات جائحة كورونا عليهن، وتأثير السياسات التي اتبعتها الدولة في هذا الإطار على حقوقهن المنتهكة أصلا.

وقد عمقت التدابير المتخذة كإجراءات وقائية من تفشي الجائحة أوضاع الهشاشة والفقر وسط النساء. وتزايد العنف المسلط عليهن. وتراجعت أوضاع أسرهن بسبب فقدانهن للعمل نظرا لتمركزهن في المجالات الأقل حماية واشتغالهن أساسا في القطاع غير المنظم، الذي تدهور بشكل كبير خلال السنة الماضية.

أكيد أن أوضاع النساء المتردية تجد جذورها في ما تعرضت له حقوقهن من انتهاكات صارخة منذ سنوات. فقد تحملهن بشكل أكبر مضاعفات الأزمات التي تعرفها الأوضاع الاقتصادية بالمغرب من جراء السياسات النيولبرالية التي أجهزت على الخدمات الاجتماعية، وأدت إلى تفكيك القطاع العمومي، وتفاقم المديوينة، وتدهور الأوضاع المعيشية للفئات الشعبية، وتراكم الثروة لدى فئة جد قليلة من الأسر المتحكمة في كل دواليب الاقتصاد والمستحوذة على ثروات البلاد.

يعيش المغرب على وقع أزمة اقتصادية خانقة تتفاقم سنة بعد سنة؛ تتجلى في التزايد المهول للديون التي بلغت أكثر من 96 مليار دولار، وارتفاع نسبة البطالة، وتراجع القدرة الشرائية لعموم الجماهير الشعبية، وانسداد الأفق أمام ملايين الشباب الذين يشكلون غالبية السكان.

كما تكرس السياسات المتبعة من طرف النظام الاستبدادي ومختلف الحكومات التابعة له الواقع المتدهور للطبقة العاملة والعاملات بشكل خاص؛ حيث تنامي حجم الفقر المدقع وسط النساء خاصة في البادية، وتكريس التمييز ضدهن؛ وتزايد قمع للحريات وفي مقدمتها الحريات النقابية بالنسبة للعاملات منهن.

وتدفع هذه السياسات التمييزية بالعاملات إلى التمركز في القطاعات الأقل حماية والأشد استغلالا، حيث ساعات العمل الطويلة دون احتساب التعويض عنها، والأجور الهزيلة والتسريح المتواصل والحقوق المنتهكة باستمرار.

وتتلقى النساء انعكاسات السياسات النيوليبرالية المتوحشة التي أجهزت على الخدمات الاجتماعية ورفعت من نسب البطالة والفقر. وفي زمن الجائحة كان للنساء النصيب الأوفر من التبعات السلبية المتخذة للإجراءات لمواجهة انتشار الوباء، وللقوانين الاستثنائية التي سنت للحد من العدوى، حيث حرمت النساء من الشغل ولم يتلقين الدعم المخصص للمتضررين بحكم القوانين التمييزية بين النساء والرجال معيلي الأسر، هذا مع تزايد العنف الأسري ضدهن.

إلا أن الأوضاع المتردية للنساء ليست فقط نتاجا لحالة الجائحة التي عرفتها البلاد والعالم ككل، بل هي نتاج للاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفاشلة، والتي فرضت على الشعب المغربي خلال عشرات السنين، والمتميزة بغياب اقتصاد وطني موجه لتلبية حاجيات الشعب، وسيادة اقتصاد الريع، وتفشي الفساد الاقتصادي والسياسي في كل المجالات، وهي معضلات تؤدي النساء ثمنها بشكل أشد وأقوى.

مميزات واقع النساء :

يقدر عدد النساء بالمغرب 17,9 مليون(50,3%) منهن 13,4 مليون في سن النشاط (15سنة فما فوق). ويتبين أن وضعية النساء تجاه سوق الشغل تتميز بضعف مشاركتهن في النشاط الاقتصادي. حيت بلغ معدل نشاط النساء 21,5%، أقل بكثير من نظيره لدى الرجال (71%). ويبلغ هذا المعدل 27,1% بالوسط القروي مقابل 18,5% بالوسط الحضري. لذا يتضح أن النساء المغربيات مقصيات من المجال الاقتصادي. ذلك أن عدد النساء خارج سوق الشغل يبلغ 10,5 مليون، حيث يمثلن 78,5% من مجموع النساء البالغات من العمر 15 سنة فما فوق 81,5%) بالوسط الحضري و72,9% بالوسط القروي(. كما أن أغلبيتهن ربات بيوت (75,2%) أو تلميذات أو طالبات (14,1%).

وحسب تقرير المرصد الوطني للتنمية البشرية فإن المرأة تُرغَم على عدم النشاط لأسباب عدة. وهو وضع أرجعته دراسات أخرى إلى ثقل مهام البيت واستشراء العنف في الفضاء العام، وعدم جاذبية فرص الشغل المتوفرة، ورجوع العقليات التقليدية التي تكرس التوزيع التقليدي للأدوار بين الجنسين، مع غياب البنيات التحتية الضرورية للتخفيف من الأعباء الأسرية على النساء وتمكينها من المشاركة الاقتصادية خارج البيت.

كما أن الساكنة النشيطة من النساء تكون غالباً قليلة العدد، خصوصاً في الوسط الفلاحي المعزول حيث لا يوجد هناك تعويض للمشتغلين والمشتغلات في إطار ما يسمى بالمساعدة العائلية، وهو المجال الذي تشتغل فيه الأغلبية الساحقة من النساء في العالم القروي، مما يجعل منهن يدا عاملة بدون مقابل، وهي وضعية أشبه بالعبودية وتشكل أكثر من 70% من النساء المشتغلات في العالم القروي حسب المندوبية السامية للتخطيط. ويشير تقرير المرصد المشار إليه سابقا إلى أن المرأة النشيطة خارج دائرة الأسرة لها من حظوظ الحصول على عمل 1,5 مرة أقل من حظوظ الرجل. وبالإضافة إلى ذلك، فحين تجد المرأة عملاً فإنها تكون عرضة مباشرة للميز المتعلق بالأجور، يضيف التقرير.

وتعيش فئة أخرى من النساء المغربيات شروطا شبيهة بالاستعباد وهن العاملات في حقول الفراولة بإسبانيا حيث يتعرضن للاستغلال الاقتصادي المتجلي في الشروط الصعبة للعمل، إضافة إلى التحرش والاستغلال الجنسي الذي فضحته العديد من ضحاياه. وكل هذا في ظل عدم تحمل الدولة لمسؤوليتها في حماية هذه الفئة من النساء العاملات.

ومن بين فئات النساء الأكثر عرضة لانتهاك حقوقهن منذ سنوات، نجد النساء اللواتي يسمين النساء “الحمالات”، وهن آلاف النساء اللواتي يشتغلن في حمل البضائع الإسبانية من مدينة سبتة المحتلة لصالح تجار التهريب في المغرب، حيث قضت العديد منهن بسبب ثقل السلع التي يحملنها، وبسبب التدافع في المعبر الحدودي الناتج عن الشروط اللاإنسانية التي تفرضها السلطات عند اجتيازه. وبعد أن أقدمت السلطات المغربية على إغلاق معبري سبتة ومليلية المحتلتين لأكثر من سنة بسبب الجائحة، دون توفير أية بدائل اقتصادية للساكنة في المدن المجاورة التي تعيش من تلك الأنشطة التجارية، انتفضت النساء بشكل قوي للتعبير عن سخطهن في احتجاجات شعبية انفجرت بعد عام من المعاناة بسبب الإغلاق.

كما نجد أيضا، ضمن الفئات الأكثر تضررا، العاملات في البيوت اللواتي يعشن وضعية جد مزرية. ورغم دخول قانون عمال المنازل حيز التنفيذ، إلا أنه لا يوفر حماية قانونية كافية لهذه الفئة من العاملات، لعدم منع تشغيل من هن أقل من 18 سنة وعدم توفير آليات فعالة لمراقبة مدى احترامه.

وتشكل العاملات الزراعيات أيضا صنفا من الأجيرات اللواتي يتعرضن لكل أشكال الاستغلال والإذلال، من بين مظاهره الشروط اللاإنسانية والخطيرة التي يتم فيها نقلهن إلى الحقول الزراعية في انتهاك سافر لكرامتهن، ومهدد لحياتهن، بل أدى انعدام شروط السلامة فيها مرارا إلى انتهاك حق العديد منهن في الحياة، حيث تتواتر حالات حوادث السير الناتجة عن هذا الوضع والتي ذهبت ضحيتها عشرات العاملات.

وتشكل الشروط اللاإنسانية للشغل أيضا تهديدا مستمرا لحياة العاملات، آخرها الفاجعة التي عاشتها مدينة طنجة في بداية السنة الجارية، والتي أدت إلى وفاة 20 عاملة و10 عمال غرقا، بعد أن غمرت مياه الأمطار الغزيرة المعمل الذي يشتغلون فيه والموجود في قبو بناية غير معد أصلا لمثل هذا الاستعمال، ولا تتوفر فيه أية معايير للسلامة، ناهيك عن إغلاق الأبواب على العمال أثناء العمل. لقد كان معملا يشغل صاحبه فيه عشرات الأشخاص في شروط شبيهة بالعبودية، أمام أعين السلطات.

أما على مستوى التعليم والتمدرس، فإن نسبة الأمية في المغرب مرتفعة بشكل مرعب، خاصة في صفوف النساء في القرى مقارنة مع الذكور. وهذا يرجع إلى تدني مستوى التعليم في أوساط الأسر، مما ينتج من جديد المزيد من الأمية وسط الأطفال. لكن الأسباب الأساسية تكمن في غياب سياسات تصبو فعلا إلى القضاء على الأمية في المجتمع، ووضع برامج خاصة للنساء لهذا الغرض. كما أن التوزيع غير الرشيد للمدارس في مختلف أرجاء البلاد، يحول دون متابعة الفتيات، خاصة، لتعليمهن نظرا لوجود المدارس بعيدا عن مقر سكناهن، مما يؤدي إضافة لأسباب أخرى إلى ارتفاع نسبة الهدر المدرسي. و يشكل هذا المعطى تحديا حقيقيا أمام الدولة، فيما يخص تمدرس الفتيات كضرورة أولية للقضاء على الأمية في صفوف النساء الراشدات.

وفي مجال الوضعية الصحية للنساء فإن السياسات العامة التي طبقت لحد الآن والتي تهم صحة المرأة، كالتدابير المتخذة لتحسين الوصول إلى الخدمات الصحية، والولادة المجانية، وتدريب العاملين الصحيين… لم تسفر عن نتائج مهمة. تُعزى هذه النتائج غير المرضية إلى تواضع الموارد المالية وضعف الميزانيات المخصصة لها، وأيضًا إلى وزن العقبات المختلفة التي تعوق وصول السكان إلى الخدمات الصحية، حيث معيقات توفير الحق في الصحة للنساء نتيجة للتداخل المعقد بين العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية: الفقر، ظروف العمل غير اللائقة، شبه غياب التغطية الاجتماعية لدى النساء خاصة في العالم القروي، عدم إمكانية الوصول إلى المياه والصرف الصحي، تفشي السكن غير اللائق، وعدم كفاية الغذاء…؛ كلها عوامل متداخلة يجب تغييرها كشروط لتوفير الحق في الولوج للصحة لصالح النساء. يضاف إلى هذه العوامل الثقافية الخاصة بكل مجتمع: المعتقدات والممارسات الناتجة عنها، والتقاليد الضارة بصحة المرأة التي تسود داخل المجتمع، والمحرمات والمفاهيم الخاطئة والعقليات السائدة ونظام القيم. وكل هذه الأسباب والعوامل المترابطة تتوفر في المغرب، وتؤدي إلى النسبة المرتفعة لوفيات النساء أثناء الوضع، رغم تراجعها نسبيا حسب بعض التقارير.

التشريعات المتخلفة كمعيق للمساواة بين الجنسين ولكرامة النساء 

تتضمن القوانين المغربية العديد من الفصول التي تعرقل تمتع النساء بحقوقهن وبالحماية من التمييز. من ضمنها ما تواجهه صحة النساء من مخاطر جمة بسبب تزايد حالات الإجهاض السري التي تصل إلى 800 حالة إجهاض في اليوم حسب الجمعية المغربية ضد الإجهاض السري. فالقانون لازال متخلفا عن الواقع. بل حتى المقتضيات التشريعية المقترحة في إطار مراجعة القانون الجنائي الحالي والخاصة بالإجهاض لا تستجيب لمطالب الجمعيات الحقوقية والجمعيات الطبية المهتمة بالحق في إجهاض آمن، بسبب توسيع نطاق الاستثناءات الخاصة بالإيقاف الطوعي للحمل.

وعلى مستوى الوضع داخل الأسرة، لازالت العديد من مظاهر التمييز ضد النساء تتضمنها مدونة الأسرة، سواء على مستوى المرجعية ومنطوق النصوص، وخاصة في القضايا الجوهرية، مثل تعدد الزوجات الذي لا زال مسموحا به ومساطر الطلاق غير المنصفة للنساء، والولاية الشرعية على الأبناء التي تميز بين الأب والأم حيث الأب وحده له حق الولاية على الأطفال حتى في حالة الطلاق التي تكون فيها الأم حاضنة. كما تمكن مدونة الأسرة من تزويج الطفلات، مما أدى إلى الأرقام المرتفعة لحالات الطفلات ضحايا الزواج القسري مما يهدد حياتهن وسلامتهن البدنية والنفسية. كما تشرعن مدونة الأسرة التمييز في الإرث بين الجنسين حيث لازالت القوانين تقول بحظ الذكر مثل حظ الأنثيين.

وعلى مستوى مشاكل التطبيق التي تتضح من خلال العديد من التقارير التي تبرز أن المقتضيات الإيجابية في هذا القانون ــ رغم قلتها ــ لا تطبق. بل هناك مضامين غير قابلة للتطبيق بسبب العراقيل المتعددة في هذا المجال، المتمثلة أساسا في طبيعة القضاء المتخصص في الأسرة والذي تسود وسطه عقليات غير متشبعة بقيم المساواة بين الجنسين. إلى جانب العاهات الأخرى التي تطبع القضاء المغربي. مما أدى إلى المساهمة في تفاقم انتهاكات حقوق النساء داخل الأسرة؛ وأبرزها العدد الكبير من حالات زواج القاصرات، الذي يعد انتهاكا جسيما لحقوق الطفلات، له عواقب كارثية عليهن، في مقدمتها خطورة العنف الزوجي بكل أصنافه، وما يشكله الزواج في سن مبكرة من اغتصاب لطفولتهن، ومخاطر عدة تهدد حياتهن.

العنف كأقصى أنواع التمييز

لا تعد القوانين وحدها مصدر التمييز ضد النساء بل الواقع المجتمعي أيضا. ذلك أن ظاهرة العنف ضد المرأة ما تزال تعم المجتمع المغربي. وإن التحرش الجنسي الذي يشكل انتهاكا صارخا لحقوق المرأة وتهديدا للمساواة بين الجنسين وإهانة وتبخيسا لكرامة النساء مازال مستشريا، في ظل تساهل القضاء مع جرائم العنف تجاه النساء. وفي هذا الإطار، فالحركة النسائية المغربية تجمع على أن القانون 103.13 المتعلق بمكافحة العنف ضد النساء لا يوفر آليات فعلية لحماية المرأة من العنف بكل أشكاله، ولا يضع حدا للإفلات من العقاب. كما لا يتضمن الإجراءات الوقائية. ولا يوفر أليات التكفل بالضحايا. ويبقى مطلب تغيير جذري وشامل للتشريع الجنائي المتعلق بالمرأة من ضمنه ما يتعلق بمكافحة العنف ضد النساء، أحد المطالب الأساسية بهدف ملاءمته مع مقتضيات اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة والإعلان العالمي لمناهضة العنف ضد النساء، والمعايير الأممية للإجرءات التشريعية ضد العنف المبني على النوع.

لقد كشف تقرير صادر عن وزارة التضامن الاجتماعي عن أرقام صادمة تخص العنف الممارس ضد النساء، إذ أظهرت الإحصائيات أن 54.4 في المئة من النساء ما بين 15 و74 سنة تعرضن لشكل من أشكال العنف خلال الإثني عشر شهرا التي سبقت الدراسة. كما أكد التقرير الثاني للمندوبية السامية للتخطيط الصادر سنة 2020 هذه الأرقام المهولة.

و حسب نفس التقرير، فالعنف النفسي يتصدر قائمة أنواع العنف الممارس ضد النساء، حيث بلغت نسبة اللواتي تعرضن له 49.1 في المائة بين الوسطين الحضري والقروي، في ما شكلت نسبة النساء اللواتي تعرضن للعنف الجسدي 15.9 في المئة، أما نسبة النساء اللواتي تعرضن للعنف الجنسي فبلغت 14.3 في المئة.

أما التقرير الثاني فقد أكد أن أكثر من 82% من النساء تعرضن للعنف على الأقل مرة واحدة في حياتهن، وأكثر من 54 % تعرضن له في السنة التي سبقت البحث. وأن العنف الاقتصادي تزايد ب 7%.

وهذه النتائج تعكس الطابع البنيوي للعنف، خاصة منه العنف الأسري والزوجي، ومدى القبول الاجتماعي له، حيث ما زال ينظر إليه كشأن خاص بالأسرة لا يجب الحديث عنه في المكان العام. وهو ما يبرر أن ضحية واحدة فقط ضمن عشرة تتوجه للسلطات المختصة.

وللحد من مختلف مظاهر التمييز ضد النساء، وفي إطار تفعيل مقتضيات دستور 2011، أحدثت الحكومة هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز التي ينص عليها الفصل 19 منه، لكن القانون التنظيمي الذي صادق عليه البرلمان سنوات بعد ذلك، والذي ينظم هذه الهيأة، لا يستجيب لانتظارات المنظمات الحقوقية والنسائية، حيث لا تخضع تلك الهيئة للمبادئ الخاصة بالمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، إذ أن هذه الهيئة لا تتوفر إلا على صلاحيات استشارية ولم يسمح لها بصلاحيات قضائية وزجرية ضد مرتكبي مختلف أنواع التمييز.

ومن جانب آخر، التزمت الدولة في العديد من المناسبات من ضمنها بعد مصادقتها على الأرضية المواطنة من أجل إشاعة ثقافة حقوق الإنسان سنة 2007، وفي إطار الاستراتيجية الحكومية من أجل المساواة 2012 ــ 2016، والخطة الثانية 2017 ــ 2021، وغيرها؛ على تكثيف الجهود لمناهضة القيم المعادية لحقوق النساء والفكر المحقر للمرأة، إلا أن هناك ضعف كبير في أداء الدولة بشأن الإجراءات التربوية والتثقيفية وبرامج التربية على المساواة، سواء في مجال المقررات المدرسية أو على مستوى الإعلام، الكفيلة بتغيير الأدوار النمطية لكل من الجنسين داخل المجتمع، كما تنص على ذلك الاتفاقية الدولية لمناهضة كل أشكال التمييز ضد المرأة التي صادق عليها المغرب والتزم بتنفيذ مضامينها، بل أقدمت الدولة على حصار الجمعيات الحقوقية التي تنشر قيم المساواة ومنعت كل أنشطتها التي كانت تنظمها في هذا المجال لصالح آلاف الشباب والأطفال والمتمدرسين وغيرهم من الفئات المهنية التي تنشر القيم وسط المجتمع.

ولم يكن أداء السلطات المغربية أفضل في مجال إزاحة الأسباب التي تساهم في إقصاء النساء من تقلد مناصب المسؤولية، وما ينتج عنه من تمركزهن في المناصب الدنيا رغم توفرهن على الكفاءة والمؤهلات التي تخول لهن تحمل المسؤولية في المناصب العليا. غذ لا تتجاوز نسبة النساء في مناصب المسؤولية في الوظيفة العمومية 21%.

إن تنسيقية المغرب للمسيرة العالمية للنساء، وهي تحيي نساء العالم بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، تعتبر أن النساء تؤدين ثمن السياسات الطبقية الرجعية بشكل أكثر من الرجال. وتتلقين بشكل أشد نتاج الاختيارات السياسية والاقتصادية للنظام في مختلف المجالات، وهو ما اتضح من العديد من المؤشرات والأرقام التي تصدرها حتى المؤسسات الرسمية للدولة.

وتعتبر انطلاقا من مواكبتها للعديد من النضالات التي خاضتها النساء خلال هذه السنة، أنه رغم هذه الأوضاع السيئة وصعوبة العيش المفروضة على النساء، ورغم وطأة الفكر السائد في المجتمع الذكوري المتخلف، تحتل النساء المقدمة في أغلب نضالات الفئات المقهورة في المجتمع. وتوجدن في الصفوف الأمامية للإضرابات التي عرفتها البلاد قبل الجائحة، كما يتواجدن في مختلف الاحتجاجات التي شهدتها البلاد، بل كن المؤطرات للاحتجاجات الشعبية في بعض المدن خاصة في الشمال.

بناء على المبادئ التي ترتكز عليها المسيرة العالمية للنساء والقيم التي تؤطر عملها والمتضمنة في “ميثاق النساء من أجل الإنسانية”، ومن خلال تحاليلها لأوضاع النساء التي تربط في ذلك بين وطأة مختلف أنظمة القهر على واقع النساء، فإن التنسيقية :

ــ تؤكد تضامنها مع نضالات النساء في مختلف المجالات ضد سياسات التفقير والتحقير التي تستهدفهن، وتعبر عن اعتزازها بالدور الذي يلعبنه ضمن النضالات الشعبية المناهضة للفساد والاستبداد.

ــ تدين كل السياسات التي تعمق أوضاع الهشاشة وسط النساء وتزج بهن في براثن الفقر وتسيد النظرة التحقيرية ضدهن وتكرس مختلف أسباب العنف الذي يتعرضن له، وتحرمهن من أبسط الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأساسية من تعليم وصحة وسكن لائق، وشغل قار وكريم، وحماية اجتماعية. وكذا الحقوق السياسية والمدنية من المشاركة السياسية والحماية من العنف والمساواة داخل الأسرة وصون كرامتها بما فيها حرمة جسدها والأمومة المرغوب فيها .

ــ تؤكد أنها، كجزء من حركة نسوية عالمية، تناضل ضد كل أنظمة القهر، ستواصل نضالها ضد الذكورية والرأسمالية والعنصرية والامبريالية والاحتلال، وتطالب بالإفراج عن كل الأسيرات والأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني، وكل المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي بالمغرب وفي كل مكان، وتعبر عن تضامنها مع حركات تحرر الشعوب، ومساندتها لحق الشعب الفلسطيني في الاستقلال والعودة وبناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس، معبرة عن إدانتها لكل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي باشرته الدولة المغربية وتحيي كل النضالات التي تنظم لمناهضته.

تنسيقية المسيرة العالمية للنساء بالمغرب

8 مارس 2021

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد