المغرب/ على خلفية ضجة تقاعد البرلمانيين..حقائق وأرقام

0
 عبد النبي الشراط – rihanapress
في التاسع من أكتوبر الجاري (2020) ألقى الملك محمد السادس خطابا هاما حدد فيه الأولويات وصاغ فيه أسلوبه الخاص للتنمية، وقال الملك بهذا الصدد: أنه تقرر إحداث (صندوق محمد السادس للاستثمار).

الذي يرجى منه المساهمة في إنعاش الاقتصاد وتنمية البلد، ومنح فرص لمؤسسات القطاع الخاص والعام للنهوض باقتصاد البلاد الذي تعرض لرجة عنيفة جراء اجتياح وباء كورونا للمغرب على غرار بلدان العالم.

خطاب الملك هذه المرة كان عمليا وتقنيا أكثر منه ديبلوماسيا، كما جرت العادة، في أغلب خطاباته الموجهة للبرلمانيين، الذين ذكرهم، بالمناسبة، بأن هذه هي السنة التشريعية الأخيرة وطالب منهم تكثيف الجهود حتى يتمكنوا من مواجهة الناخبين وهم (مرفوعي الرأس) لأن المواطنين ينتظرون التغيير على الأرض وليس عبر الخطابات الحزبية المسيسة.

وطالما نبه الملك في خطابات سابقة ممثلي الأمة إلى الوفاء بوعودهم الانتخابية، وإذا كان هذا رأي الملك في موضوع التنمية وإنعاش الاقتصاد.. فماذا كان رأي النواب؟

في جلسة الثالث عشر من نفس الشهر (أكتوبر الجاري) عقد مجلس النواب أولى جلساته خلال دورته التشريعية الأخيرة من الولاية الحالية (2016/2021) ؟

بما أنها هي الفرصة الأخيرة تجاهل النواب مشاكل الشعب الذي يعاني الويلات على صعيد البطالة، وانعدام فرص الشغل وتسريح الكثير من العمال والمستخدمين بسبب الوباء، بالإضافة إلى أن عجلة الاقتصاد تعتبر مشلولة، وبما أن هذه هي السنة الأخيرة حيث يرى الكثيرون من نوابنا المحترمين أنهم لن يعودوا لهذه القبة الدائرية من الداخل، ارتأوا مناقشة أمر يهمهم وهو موضوع (تقاعد البرلمانيين والبرلمانيات) وهو الموضوع الذي أثار حفيظة أغلب الطبقات الشعبية المغربية، فتناولوه بالسخرية أحيانا وبالجدية حينا آخر، خاصة رواد التواصل الاجتماعي الذين شنوا حملة قاسية ضد نواب الشعب، الذين لم ينحازوا إلى الشعب ولم يناقشوا قضاياه الجوهرية والمصيرية، ومما زاد الطين بلة، تدخل النائب إدريس الأزمي عن حزب العدالة والتنمية الذي يقود حكومة مشكلة من ستة أحزاب، وهو في ذات الوقت عمدة مدينة فاس.

الأزمي بدا متعصبا وهو يسخر من رواد وسائل التواصل الاجتماعي وغيرهم، مؤكدا بلغة عنيفة، أنه لا يجب على النواب أن يرضخوا لهؤلاء الذين سماهم بالشعبويين، كما أكد بلغة حادة جدا، أن النواب لا يمكن لهم أن يشتغلوا (بيليكي) – يعني بالمجان- وهو ما أجج حفيظة هؤلاء (الشعبويون) المغاربة، الذين رأوا في كلام النائب إدريس نوعا من الاحتقار والاستحمار، كما أن طريقة تدخله تسببت له في انتقادات حتى من داخل حزبه، وربما تلقى توبيخا في الموضوع من قيادة الحزب، لأنه كان عليه ألا يتحدث بلغة تحتقر رأي المغاربة الذين كانوا ينتظرون منه كلاما أفضل.

وللحقيقة والتاريخ، فإن عددا من النواب والنائبات طالبوا بتصفية موضوع تقاعد البرلمانين وطالب آخرون بسحبه نهائيا وإلغاء فكرة تقاعد البرلمانيين من الأساس، لأنه لا يمكن لشخص أن يقضي خمس سنوات فقط، في مهمة وليس في (مهنة) ويتقاضى عنها تقاعدا مريحا مدى الحياة..

قصة تقاعد البرلمانيين:

في ثمانينيات القرن الماضي قيل أن الملك الحسن الثاني رحمه الله صادف بأحد أحياء الرباط الشعبية برلمانيا سابقا يتسول، وبعد ذلك مباشرة ألقى خطابا قرر عبره منح تقاعد لكافة البرلمانيين بمبلغ 7000 درهم (ما يقارب 700 دولار شهريا) وكان خطاب الملك آنذاك يسمو فوق كل القوانين حتى أن دستور المملكة الأول تضمن فقرة تقول بالحرف: (خطاب الملك لا يناقش) ومنذ حينئذ ونواب الأمة يتقاضون هذا الراتب التقاعدي إلى حدود الولاية التشريعية الماضية (2011/2016) حيث توقف أداء تقاعد البرلمانيين لحد الآن.

نصل الآن إلى لغة الأرقام:

– يتقاضى البرلماني المغربي والبرلمانية المغربية تعويضا شهريا عن الخدمات التي يفترض أنه يقدمها للشعب تطوعا، (فهي تعويضات، وليست أجرة) يتقاضون مبلغا صافيا بعد كل الاقتطاعات المطلوبة، تأمين، ضريبة على الدخل إلخ.. 29000 درهم (ما يقارب 2800 دولار) شهريا لكل نائب ونائبة سواء بمجلس النواب أو مجلس المستشارين (يتشكل البرلمان المغربي من غرفتين، الأولى تسمى مجلس النواب ويبلغ عدد النواب المنتخبون عبر الدوائر بشكل مباشر 395 نائب ونائبة، فيما تسمى الغرفة الثانية بمجلس المستشارين وتضم خلال الولاية الحالية 120 مستشارا)

– يمنح النائب والمستشار كل على حدة، تعويضات أخرى عن التنقل والإقامة لمدة يومين خلال جلسات البرلمان وللنائب أن يختار صيغة التنقل:

_ القطار بالمجان درجة أولى، أو الطائرة، أو يتلقى تعويضات عن البنزين إذا فضل التنقل بسيارته، بينما الإقامة يومين على حساب المجلس بفندق 4 نجوم بالعاصمة.

– يتلقى كل نائب في مهمة خارج المغرب تعويضا آخر بمبلغ 2500 درهم (حوالي 240 دولار ) يوميا طيلة مدة مهمته خارج أرض الوطن.

– يتلقى رؤساء اللجن ونواب الرئيس تعويضات إضافية لكل واحد منهم بمبلغ 8000، درهم (حوالي 750 دولار) فيما تبقى تعويضات رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين غير معلن عنها، سواء التعويضات الشهرية منها أو التعويضات الإضافية عن المهام.

الاقتطاعات:

بالإضافة للاقتطاعات السابقة تضاف لها 2900 درهم (حوالي 280 دولار) لأجل التقاعد.. (وسوف نعود لمناقشة هذه النقطة حتى ننصف البرلمانيين أيضا).

كما تقتطع خارج إطار الدولة مساهمة النائب في صندوق حزبه، وهذه المساهمة تتراوح بين 5000 درهم و2000 درهم حسب نظام كل حزب.

هناك مصاريف أخرى يمكن احتسابها (ضمن الاقتطاعات) بشكل غير مباشر، وهو ما نسميه في المغرب ب( القهوة) فالنائب متهم بأنه برلماني وعنده فلوس، بالتالي أغلب البرلمانيين حين يهمون بمغادرة بناية المجلس يجد أقربائه وأصدقائه ينتظرونه في مركن السيارات، وكل له مطالبه، هناك من يرغب بفلوس الاستشفاء، وهناك من يرغب بالسفر وهنالك من يرغب أن بالسهر حتى، والنواب بطبيعة الحال لا يمكن لهم أن يبخلوا على مواطنيهم (…..) ناهيك عن البرلماني في البادية حيث يحرم نفسه أحيانا من التسوق في الأسواق الأسبوعية كما يحرم نفسه من التجول في مدشره وقريته بكل حرية، بسبب طلبات ومتطلبات الناس الذين يرون في البرلماني مجرد بقرة حلوب.. ناهيك عن الطلبات بالتلفون.. فهناك امرأة تلد، وهناك طفل مريض، وهناك وهنالك.. والقصة طويلة.. بمعنى أن البرلماني لا يجب أن يكون دخله مجرد 29 ألف درهم التي يتقاضاها من البرلمان، بل يجب عليه أن ينشئ مشروعا خاصا بالإعانات والعطاءات..

ضجة التقاعد:

منذ بداية الولاية التشريعية الماضية (2011/2016) لم يتقاضى أي برلماني حصته من التقاعد، بينما يقتطع من راتبه 2900،درهم شهريا، والحقيقة أن هذا ليس عدلا ولا منطقا، كيف تقتطع الدولة هذا المبلغ من تعويضات النواب دون أن يكون هناك إطارا قانونيا يسمح لهم بالاستفادة من المبالغ التي اقتطعت من رواتبهم، خاصة البرلمانيين الذين غادروا البرلمان مع نهاية الولاية المذكورة؟ (2900 درهم × 5 سنوات = 174000 درهم) وبطبيعة الحال هناك من لا يعاود الكرة سنة 2021 فيضيع في نفس المبلغ.. هنا نظام الدولة المالي سيكون في خطر، إذا ما قرر جميع البرلمانيين الذين اقتطعت من راتبهم المبالغ المذكورة على أساس أنها تقاعد، دون أن يستفيد، وإذا ما رفع هؤلاء قضايا ضد الدولة فلن يكون المبلغ المذكور مطلوبا فقط، بل سيطالبون بالفوائد المترتبة على المبلغ الأصلي فإلى أين سيصل المبلغ خاصة وأن نظام التقاعد كله في خطر، وقد تصل 2028 ولن تجد الدولة المغربية ما تؤدي لمتقاعديها معاشهم، وتلك كارثة أخرى ليست هي موضوعنا الآن.

عدد من البرلمانيين يتحدثون الآن عن التصفية لكن أغلب الناس لا يفهمون ماذا يراد بهذه التصفية؟

بكل بساطة هناك من يطالب فقط باسترجاع الأموال التي اقتطعت من راتبه طيلة هذه المدة، خاصة ولاية 2011/2016 وهناك بعض المراسلات تتعلق بموضوع استرجاع الاقتطاعات بمكتب رئيس مجلس النواب دون أن يتلقوا عنها ردا، لأن الإطار القانوني غير موجود؟ ومن هذه الناحية يمكن الإشفاق على نوابنا لأنهم يشرعون كل شيء، بينما عجزوا عن إخراج تشريع أو قانون يضمن حقوهم..

توضيحات واستدراكات وملاحظات:

الإنصاف يقتضي أن نضيف بأن أغلب الذين يكتبون ويحتجون ويصرخون عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعضهم يتقاضى إكراميات وعطاءات من بعض النواب، فيما البعض الآخر يتقاضى عمولات وعطاءات خلال الحملات الانتخابية، أما آخرون وهم الأغلبية فهم غير مسجلون أصلا في اللوائح الانتخابية، وهذه الفئة هي الأكثر مطالبة بمحاسبة البرلمانيين والمنتخبين عموما.. فكيف يقولون هذا وهم بعيدون جدا عن العملية الانتخابية؟

– الكثيرون يكتبون الأرقام دون تدقيق ولا بحث وحين تسألهم على سبيل المثال من أين أتيت بهذا الرقم لا يجيبك أو يقول لك بأنه سمع.. وتلك طامة أخرى نعاني منها حقا.

أغلب المعلومات التي تنشر عبر فضاءات وسائل التضامن الاجتماعي تعتبر أم الكوارث، والكارثة الأكبر هي أن ينشر أحدهم قصاصة فيتبعه العشرات وربما المئات بالتأييد والتطبيل والإعجاب وكأنه فتح بيت المقدس.

– أغلب الذين ينتقدون البرلمانيين يقومون بممارسات أسوأ على صعيد السمسرة والتدخلات واستغلال العلاقات في أمور ضد القانون.

– الذين يعتقدون أن معركة النواب من أجل تقاعد بسيط لا يعلمون أن هناك اقتطاع من رواتبهم من أجل هذا التقاعد.

– الضجة القائمة على التقاعد الآن لا يعلم أغلب منظميها أن هذا التقاعد لا يتجاوز 5000 درهم ( أقل من 500 دولار).

نرجو أن تكون هذه المقالة وضحت بعض ما يجب توضيحه، خاصة في ظل نشر معطيات ومعلومات مغلوطة.

– كاتب هذه السطور حاول أن يكون منصفا فقط، دون أن يكون مع أو ضد بعض المعلومات الواردة هنا.

 15 أكتوبر 2020

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.