السلفية الجهادية وقطرة مداد

0

 *-مضت بضعسنوات على ملف السلفية الجهادية المغربية ولم يراوح الملف مكانه قيد أنملة وكما هو معلوم فإن التيار السلفي الجهادي مثل للنظام المغربي تحديا كلفه

 

 
 

   السلفية الجهادية وقطرة مداد

     عبد العلي العلام معتقل سابق وكاتب

elallamalizafralofa@gmail.com

     

 *-مضت بضعسنوات على ملف السلفية الجهادية المغربية ولم يراوح الملف مكانه قيد أنملة وكما هو معلوم فإن التيار السلفي الجهادي مثل للنظام المغربي تحديا كلفه الكثير سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي والاقتصادي وكذلك الحقوقي  وتطلب ما يقرب من خمس سنوات من الاستعداد  لمباشرة بدئ الاعتقالات والمسح الأوتوماتيكي واستنادي مبني على الآتي :

 -* النظام الأمني المغربي استطاع اعتقال ما يزيد على 3000 عنصر من السلفية الجهادية في ظرف وجيز لم يتجاوز الشهر في وقت نجد إمكانياته محدودة وموارده البشرية يائسة ومنهكة.

 -* إفراغ سجن سلا بمدة طويلة عبر ترحيل سجناء الحق العام لسجون أخرى.

-*مشاركة الأجهزة الأمنية لإدارة السجون سابقا المندوبية حاليا التسيير داخل السجن قبل الأحداث للإطلاع عن سيرالسجون عن قرب.

 -* استدعاء واستنفار كافة أجهزة الأمن من مناطق أخرى لدعم الفرق الأمنية المحلية.

 -* منع الإجازات لعناصر الأمن إلا في حالات قصوى.

 -* تهيئ الرأي العام المغربي عبر الإعلام الرسمي لاستساغة ردة فعل النظام المغربي.

 -* استنفار المُقدمين في الأحياء بتهيئ لوائح المطلوب اعتقالهم وجمع ما يمكن جمعه من معلومات.

-* إشعار بعض أفراد الأمن لأصدقائهم وبعض الجيران و ذويهم بضرورة حلق اللحية والانزواء قليلا حتى تنفرج الأوضاع وتتضح الأوضاع.

 -* استدعاء أجهزة الأمن لبعض رموز السلفية الجهادية وطلب مساعدتهم في تحديد الأسماء الأشد تصلبا واعتناقا للفكر الجهادي .

بخلاف المحطات السابقة في تاريخ مواجهة النظام للتيارات اليسارية المتطرفة التي كانت تتبنى التغيير الجذري أو إسلاميي الشبيبة الإسلامية أو العدل والإحسان وأعتقد مستقبلا أن الدور سيأتي على الشيعة المغاربة.

فغالبية الأعمال التي قد قام بها التيار السلفي الجهادي المغربي على افتراض جدليةما تدعيه أجهزة الإعلام الرسمية على لسان الناطقين باسم مؤسسات الدولة لا يرقى بالمقارنة إلى ما قامت به جماعات وحركات في دول أخرى كمصر والجزائر وغيرها … لكن الإنصاف يدفع بنا ألا نقول بعض الحق ونسكت عن البعض الآخر.

 صحيح أن النظام المغربي كانت إستراتيجيته مبنية على اعتقال العناصر والرموز والكوادر وبعض الأتباع هنا وهناك وأثناء الاعتقالات اصطدمت التحقيقات بواقع أذهل حتى المحققين أنفسهم بضعف الأدلة وبانعدامها تارة وبقوة وعزيمة الموقوفين تارة أخرى وفي نفس السياق أُصيب المعتقلون بالدهشة لضعف مستوى المحققين وقلة إلمامهم بالترسانة العلمية والفقهية لديهم  لدرجة أن أحد المحققين سأل موقوفا عن ابن تيمية فأجابه الموقوف إنه صاحب موسوعة – الفتاوى – فسأله المحقق وأين يسكن ؟ ولم يكن لهم وعي بالمصطلحات الفقهية الجهادية كالغنائم والفيء والسبي والتترس والخروج على الحاكم هل بالتعطيل أم بالتبديل وغيرها من المصطلحات كالكفر بالعين…إلخ والسبب قلة التجربة بمحاربة هذا النوع من الإرهاب إن صح التعبير الإيديولوجي العقدي, وضعف الموارد البشرية التي تعاني أصلا من ضعف التكوين في مثل هذه الملفات, وفي الوقت نفسه وأثناء التحقيقات تفاجأ المسؤولون لهول اعترافات البعض من الموقوفين ودرجة الاستعداد لديهم وعلاقاتهم الخارجية وإمكانياتهم مما اضطر مهندسوا ملف السلفية الجهادية لإعادة النظر وتوسيع دائرة التوقيف بناء على الشك.

لطالما اعتقدالسلفية الجهادية أن للجهادجاذبيةوإغراءً قد لا يقاوم، فهو سبيل سريع فيما يبدو لتحقيق بعض الأهداف وإنجازها، ومنثم رأى التيار الجهادي أن العنف والقوة هما سبيل تحقيقأهدافه.

ولكن هدف التغيير وإقامة الدولة الإسلامية لم يتحقق، ومن هنا بدا أنعملية التغيير أعمق وأوسع من مجرد تغيير الأشخاص ، كمابدا أن إدارة المجتمعات وحكمها ليس أمرا سهلاً، ولكنه عملية في غاية التعقيد. صحيحأن تصور التيار الجهادي كان يختزل السيطرة في تسليم مؤسسات الدولة لبعض الموثوق فيهممن العلماء والدعاة، ولكن لم تكن لديهم صورة واضحة عن سؤال هل نحن قادرون … ونملك نموذجا إسلاميا مثاليا وحديثا قابل للتطبيق؟

مقولة ابن خلدون

قال ابن خلدون في مقدمته: “إن أغلب الحركات التي تبنت التغيير عن طريقالخروج على الحكام لم يُقدَّر لها النجاح، وكانت عاملاً لإثارة الفتنة في الأمة

وهو ما يظهر أن النواميس الاجتماعية لنظام الاجتماع الإسلامي، وربما يكون هذا هوالسبب الذي دفع فقهاء السنة لجمع الناس في مفهوم الإسلام ،وخلق أقوى تحالف ممكن من الموحدين والمسلمين، وكان علماء أهل السنة و مجتهدوهايجتهدون للأمة وليس في مواجهتها، ولم يكن أحد منهم يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب مالم يستحله ويغلِّبون مصلحة وحدة الأمة واستقرارها على الجنوح للتغييرالمحمول على الانتصار المظنون  الذي لا يمتلك أسباب حسم الصراع وتحقيقه مع السلطة الحاكمة التي تفتقدالشرعية في تصور السلفية الجهادية وهذا  عامل فناء المشاريع الجهادية القطرية التي تحمل راية تنظيمية.

قيم ومبادئ تتشكل من جديد

أثناء مسيرتي اقتنعت أن العنف ليس مشروعا أصيلاً ولا مكونا رئيساً في فكر السلفيةالجهادية وإنما هي استجابة للحظة يأس من المشاريع الديمقراطية الفاشلة  
وبشكل عام فإن عنف النظام المغربي فيمواجهة المجتمع خلال محطات لم تستطع الذاكرة المغربية نسيانه ولد ردود فعل مناهضة من قبل هذا التيار، ولكن مع إدراكه للواقع الذي يواجهه المجتمع وحساسيته فإنه أعاد بناء هوية جديدة لها أساسها “الانتقال من فقه المواجهة والمفاصلة إلى فقه دعوة  الناس لفقه التعايش“.
وفي الواقع فإن العنف هو تعبير صريح عن أسلوب للتعامل مع الواقع،ومن ثم لم يكن التطرف قاصرا على السلفية الجهادية التي تبنته، ولكن التياراتاليسارية في أمريكا تبنت التغيير الجذري كأداة لتغيير الدولة الأمريكية ذات الطابعالإمبريالي، وكانت هناك جماعات متعددة تتبنى رؤية تغيير شاملة، كما أن الجيشالجمهوري الأيرلندي تبنى العنف في مواجهة سيطرة الإنجليز البروتستانت على أيرلنداالشمالية، وكذلك منظمة إيتا الباسكية وتبنت بعض الجماعات الثورية العربية العنف أيضا، خاصة فيما يتصل بالقضيةالفلسطينية.

ملامح جهادية جديدة

إن السلفية الجهادية بصدد إعادةتشكيل هويتها من جديد، ومن ثم فنحن أمام حركة فكرية اجتماعية بالمعنىالسوسيولوجي للكلمة وهذا لا يقدر علىفهمهواستيعابه الجميع باستثناء النخبة والأطر من السلفية الجهادية وهذه الحركات الاجتماعية تتطور في جدلها مع واقعها بحيث لا تأخذنمطاً حركيا ثابتاً بل تجتهد في استجابتها للواقع الذي تواجهه لاكتشاف هويتها وبناءوجه جديد بما يتلاءم مع التحديات التي تواجهها وهذا ما يقع للسلفية بالمغرب حينما أعلنت مراجعاتها كل مجموعة على حدة.

من الواجب على من يخالفوننا أن يأخذوا في اعتبارهم اختياراتنا الفكرية ويحترموها،  ورغم أننا جميعا أهل مكة فكلنا يعلم أن شعابها متعددة ومتنوعة ولكل الحق في اختيار الشعب الذي يراه صالحا لواقعه ما لم يخالف أصول الشرع القطعية، وليس من الإنصافً أن يفرضالمخالفون لنا ما يؤمنون به علينا مرة بادعائهم قوة أدلتهم ومرة بالضغط كالاتهام بالنكوص والتخوين ومهما كان حجمهم أو سابقة جهادهم وما قدموه لنصرة الجهاد والمجاهدين ومكابدوه من بلاء .

 فالجهاد والاجتهاد لدين الله أوسع من أن تحتكره رؤية واحدة  من زاوية واحدة باجتهاد واحد أو تكتيك واحد، وبدلاً من التنازع بيننا،فإن الاحترام لرؤية كل منا هو الحل الأمثل لنجعل اختلافنا تكامل، وصراعنا تفاهم ،وتناحرنا تبادل للآراء واستخلاص النتائج والعبر .

ومن ثم نكون قد أرسينا مفاهيم خاصة وبخصوصية مغربية قطرية ومحلية لواقع خاص  لتيار سلفيجهادي لا يعوق ولا يُعتبر حجر عترة في طريق التيار العالمي الجهادي ، ويدفعه للدخول في صراع معه، كما أن التيار الجهادي المحلي لا ينبغي له أن يدخل على خط  الجبهة العالمية تفاديا لاصطدام الأفكار والتوجهات وتعارضها ، وعلى كل تيار فكري أن يؤسس لتقاليده بحيث لا تكون متماسةمع تحركات التيار الآخر.

ولا ننسى أن الاجتهاد أداة حركية لا تُزايد على اجتهاد المجتهد ولا تُصادر حقه، فالقواعد الأصوليةتقول: إن اجتهاد المجتهد لا يلزم المجتهد الآخر، ونحن رأينا أن اجتهادنا الأول لايمنعنا من التفكير في اجتهاد ثاني، إذا اقتنعنا بمبرر ومسوغ لذلك .

وبصرف النظر عن دقائق تفصيلات اجتهاداتنا الفكرية وليس الفقهية لأننا لسنا أهلا لذلك فهناك عملية تجديدية تأخذ شكلاجدليا بين الواجب والواقع، استشف المجتهدون في طياتها صيرورة التغيير وتجديدالاجتهاد، في تقدير الواقع ومناطات تطبيق الأحكام وعللها، وقياس الواجب (الحكم الشرعي)على ما يناسبه من الواقع كما يقول ابن القيم: “إعطاء الواجب حقه من الواقع، وإعطاءالواقع حقه من الواجب“.

 ومن ثم فالمراجعات تطورت في السياق العام للفكرة الإسلامية وتحت عباءتها نضجت في انسجام وطبيعةالعملية الاجتهادية, وبناء على التصور الجديد للواقع الذي تطلب مناقراءة جديدة ومتأنية للأحكام الشرعية، خاصة وأن المساحة التي جرى الاجتهاد الفكري فيها هي من الفقهالسياسي الذي يترجم الواقع وقراءته أحد أبرز المداخل لبناء أحكام جديدة لمواجهته،فالفقه السياسي الذي جسدت مراجعاتنا جزءا من جوهره الاجتهاد أحد مداخله المهمة،وقراءة الواقع وإعادة فهمه وتقديره الأولويات في فهم النصوص على عكس الاجتهاداتالفقهية، فإن تشكل الحكم الشرعي يكون النص فيه هو الموجه باعتبار هرميته وقدسيته.

وقد تطلب منا الوصول لهذه النتائج والإستخلاصات الفكرية ونحن داخل السجن لوقت طويل .

حالة العود لا تكاد تذكر

بالمقارنة مع من مارسوا المراجعات في صمت والانزواء إما في أحضان زوجاتهم أو بين فلذات أكبادهم أو وسط فقر مدقع أو ترف أنسى السلفي المفرج عنه بلاءه ولو فتحت لهم الأبواب واستأنسوا من الدولة المغربية خيرا بعد إطلاق سراحهم في ظل أجواء صحية وفي عافيته لاستطاعوا استيعاب واحتواء تياراتالتطرف، ولساهموا ولأسسوا لبناء تقاليد حقيقية لمشاركة الإسلاميين في بناء مجتمعاتهم ونظمهمالسياسية.

لكن تمسك السلطة السياسية المستبدة برأيها في سد باب الحوار والمراجعات على نفسها أعطى انطباعا بأنها لا تريد أن تفتح ثغرة فيالأفق لفتح باب للأمل بالتغيير وبمستقبل أفضل.

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.