عبد النبي الشراط يكتب: بصدد العلاقة بين الكاتب والناشر والكتبي من يستفيد من نشر الكتاب

0

عبد النبي الشراط
كاتب صحفي وناشر
مدير دار الوطن للطباعة والنشر

في ندوة نظمتها إذاعة تونس الثقافية على الهواء مباشرة من مدينة توزر التونسية، على خلفية مهرجان شعري نظم هناك وكنت أحد ضيوفه، كما كنت ضيفا على البرنامج المباشر.
إستدعيت للندوة الحوارية بصفتي صحافي وناشر، وشاركت في الجزء الثاني فقط إذ كان عمر البرنامج ساعتين، شارك في البرنامج الإذاعي طبعا كتاب وشعراء من مختلف أقطار الوطن العربي وكنت الناشر الوحيد الذي الحاضر ضمن أكثر من 10 كتاب وشعراء.. البرنامج أدارته باقتدار الزميلة …. قصد الله، وكان السؤال (المحرج) الذي وجه لي بصفتي كناشر، هو أن الكتاب يشتكون من سوء معاملة دور النشر لهم، وأن دور النشر هذه تأكل أموال الكتاب بالباطل، حيث لا تدفع لهم حقوقهم.. فماذا كان ردي على السؤال؟
طلبت من مقدمة البرنامج أن تحيل سؤالا للضيوف الكتاب الذين يشتكون من سوء معاملة الناشرين لهم أن يشرحوا هذه المعاملة السيئة التي يتعرضون لها لدرجة اتهامهم للناشرين بالنصب والاحتيال، وذلك حتى يتسنى لي الرد على السؤال الأصلي بكثير من التفصيل..
وبينما صمت الكتاب تطرقت للإجابة بالآتي:
أولا: هناك عدد من الناس يكتبون لأول مرة وأسماؤهم غير معروفة فيخيل إليهم أنهم كتاب ومثقفون وعلماء، ثم يحملون نصوصهم (من القصة أو الشعر أو غير ذلك) إلى الناشر فيطلبون منه أن يطبع هذه الأعمال على حسابه الخاص وأن يدفع لهم مقابل مادي يحددونه هؤلاء الكتاب وكأنه فرض عين على الناشر..وحين يرفض الأخير الامتثال لهذه (الأوامر) يسارعون إلى اتهام جميع الناشرين بالابتزاز وأكل أموال الكتاب بالباطل..
ثانيا: قلت بأن أغلب (الكتاب) يكتبون كثيرا ويقرأون قليلا، بالتالي تكون كتابتاهم باهتة فلا يتقبلها القارئ ويعرض عنها إن طبعت..
ثالثا: بخصوص أزمة القراء، أكدت بأن القراء موجودين وأننا نعيش أزمة كتاب وليس أزمة قراء، لأن القارئ حينما يعثر على كتاب يرى أنه مفيدا له سيقتنيه بدون تردد، لأن القارئ يبحث عن المادة الجيدة والكتاب الجيد والكاتب المقتدر، الملم بحرفة الكتابة وأدواتها وتقنياتها وفنونها، وهو مالم نعد نجده في الكثير من الكتابات والكتب..
رابعا: هناك بعض الكتاب/ الشعراء يجلسون في مقهى على سبيل المثال فينجز قصيدة يتغزل فيها بحبببته أو صديقته فيصف عيونها ويثني على رموشها ويغازل خدودها الخ.. فينجز (ديوان شعري) على هذه الشاكلة ثم يذهب به للناشر يطلب منه طباعته، وإذا رفض الأخير فهو محتال ونصاب ويحارب الثقافة.. وتساءلت في ردي ماذا سيستفيد القارئ من هذه النصوص الشعرية، خاصة وأغلبها تفتقر إلى أدنى شروط النشر (لغة وسردا وأسلوبا).
أوضحت أيضا أن الناشر يتبنى فقط الأعمال الجيدة لكتاب معروفين ولهم وزن وإسم في الساحة الثقافية والمعرفية، وأن الكتاب الذي يتطرق لفكرة جديدة أو نظرية جديدة لا يمكن للقارئ أن يتجاهله.. فقاطعني أحد الإخوة الكتاب بسؤال (……) إذن القضية تجارية صرفة ؟
أجبته بكامل الوضوح أنها كذلك، ومن ادعى عكس هذا فهو كذاب، فالناشر ملزم بأداء واجبات الإيجار ودفع رواتب الموظفين وأتعاب الطباعة والورق وخلافه، وهو أي الناشر يتخبط مع إدارة الضرائب كغيره من الذين يمارسون أي نشاط تجاري آخر.. فكيف يقدم الناشر على طباعة عمل بالمجان ثم يدفع للكاتب أموالا ويطرح كتبا في الأسواق لا يلتفت إليها أحد.. فمن أين سيغطي هذا الناشر التكاليف سالفة الذكر؟
مناسبة هذا الكلام..
لنوضح الآن العلاقة التي تربط الناشر بالكاتب كما هي متعارف عليها عالميا:
تنقسم هذه العلاقة إلى قسمين، الأول هو أن يتكلف الكاتب بتسديد نفقات طباعة كتابه، بينما يتولى الناشر الإشراف على الكتاب بدءا من التصميم الداخلي وتصميم الغلاف بالإضافة لتكفل الناشر بسحب الإيداع القانوني والترقيم الدولي من المكتبة الوطنية لبلد الناشر، ثم الإشراف على الطباعة، وهنا يعتقد الكثيرون أن الناشر هنا يقوم فقط بدور الوسيط (أو سمسار) بالتالي يمكن للكاتب أن يذهب رأسا للمطبعة ويعفي نفسه من رسوم إضافية يفرضها عليها الناشر، وهذا غير صحيح فبالنسبة للتكاليف ستكون أقل عن طريق الناشر لأن صاحب المطبعة يتعامل بعقلية تجارية محضة، ولا يهمه شكل الكتاب وفيما إذا كان الغلاف وعنوان الكتاب سيجذبان القارئ..وهذه الأمور يقدمها الناشر للكاتب كاستشارات مجانية، فقد يقترح الناشر عنوانا مناسبا للكتاب إنطلاقا من تجربته وخبرته وعشرته للكتاب إن جاز التعبير، بينما الطابع لا يفقه في هذه الأمور فهو شخص تجاري صرف، أما بخصوص التكاليف فإن الناشر يتعامل مع الطابع طول السنة، وعلى هذا الأساس فهو يستفيد من خصم خاص، أما الكاتب إذا اتجه للمطبعة فقد يدفع أكثر مما سيدفعه للناشر.
وينته دور الناشر مع الكتاب مباشرة بعد خروج الكتاب من المطبعة، ثم تأتي مرحلة التوزبع وهي العملية الأعقد في عمليات الطباعة.. كيف؟
الناشر مطلوب منه الإشراف على تتبع عملة تصميم وطباعة الكناب أما التوزيع فهناك شركات متخصصة في المجال والكثير من الكتاب لا يفرقون بين مصطلح النشر ومصطلح التوزيع إذ يعتقدون أن النشر هو النوزيع وهذا خطأ كبير..
تفصيل العلاقة بين النشر والتوزيع تحتاج إلى توضيح، فبينما تقتصر عملية النشر على تتبع الكتاب وإخراجه لحيز الوجود، فإن التوزيع وظيفة أخرى، لا تلزم الناشر، لكن الكثير من الناشرين يسعون إلى تخفيف العبء عن الكاتب فيتولون هذه العملية نيابة عنه، ونحن ما زلنا نتحدث الآن عن العلاقة بين الناشر والكاتب مع إضافة مجال التوزيع، ونتحدث أيضا عن العملية التي يتكفل فيها الكاتب بدفع مصاريف طباعة كتابه.
لقد أنهينا عملية الطباعة الآن وعلى الكاتب أن يختار إما اللجوء لشركة توزيع التي تأخذ عادة عمولة تتراوح بين 45 و 50 % من السعر المكتوب على غلاف الكتاب ( وأتحدث هنا عن المغرب حيث توجد شركتان عملاقتان متخصصتان في التوزيع) وحتى شركات التوزيع الصغرى تنحو منحى هاتان الشركتان في اقتسام سعر الكتاب بينها وبين المؤلف، وتشترط في بند من عقودها الإذعانية أن يدفع الكاتب مبلغا جزافيا يتراوح بين 250 و300 دولار في حالة عدم رواج الكتاب أو لم يحقق رقما معينا تحدده الشركة في عقدها مع الكاتب.
تقوم شركة التوزيع بتوصيل الكتاب إلى نقاط البيع الخاصة، (بعض المكتبات وأكشاك الصحف إلخ..) على نفقتها الخاصة وتحدد زمن طرح الكتاب في الأسواق بين ثلاثة أشهر على الأقل، وستة أشهر على الأكثر، ثم تقوم بجمع مرجوعات الكتاب وتخطر الكاتب عبر خطاب خاص وتحدد له مهلة عشرة أيام لاستلام مرجوعاته على نفقته الخاصة (علما أن الكاتب هو من يجب عليه طبقا للعقد، أن يوصل الكتاب لمقر الشركة ويسترجعه من مقرها على نفقته طبعا). تدفع شركة التوزيع شيكا للمعني بالأمر بقيمة حصته بعد خصم حصتها طبعا.
أما إذا تكلف الناشر بالتوزيع فإنه عادة لا يلجأ لهذه الشركات بل يتعامل مباشرة مع المكتبات، وهنا نصل إلى بيت القصيد..
العلاقة بين الناشر والكاتب والكتبي..
(يتبع)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.