يوسف الطويل يكتب : الشابة زينة أو ماعارفاش العجينة/ الجزء الثاني

0

جلس الأستاذ نجيب في مكتبه وهو يتراجع بظهره إلى الوراء ويتنهد في حبور يحاول التعايش مع الاحباط الذي سيرافقه طيلة الشهور القادمة حزينا لأجل الترقية التي سلبت منه بسبب الكوفيد اللعين والقرار الحكومي الذي نزل على أطر الوظائف العمومية كصاعقة لم يعملوا لها حساب.

وضع نظارته الطبية جانبا وأخذ يمسح حبات عرق من على جبينه ثم نزع كمامته بعصبية وراح في شبه إغماءة غير عابئ بدوره في مركز الامتحان كأنه عملا ثقيلا على قلبه غاضبا من اليد العليا ويفرغ انتقامه في اليد السفلى عمدا.

الساعة العاشرة تماما تجمع بعض المترشحين تحت سلم الدرج يراجعون أوراقهم للحصة القادمة بعدما وجدوا أن الحال ليس كما هو عليه في السنوات الماضية عند المراقبين ، فجعلوا لأنفسهم مفرا في وقت تتبخر فيه كل الاجابات للأسئلة المطروحة وتخونهم الذاكرة الرقمية مذ تحولت الدراسة من حضورية إلى عن بعد في رمشة عين بين ليلة وضحاها وبدون أدنى فكرة مسبقة.

لم تمض دقائق قصيرة حتى وجدوا أنفسهم خارج أسوار المؤسسة تحت أشعة الشمس الحارقة بأمر كل من الحارس العام للداخلية وحارس الباب.

تقضبت حواجبهم استغرابا على طردهم في عز الاستراحة من وطنهم التربوي الذي ترعرعوا فيه منذ أن كانوا صغارا وهم الذين لم يعهدوا هذا التصرف من قبل ، ويبدو أن كل شيء يمشي عكس طبيعته في ظروف استثنائية تعيشها أسرة التعليم لأول مرة منذ مئات السنين.

لكن ما سيقطع شكهم باليقين على أن أشياء تحدث وعليهم معرفتها بعد أن مرت أكثر من نصف ساعة ولم يدق الجرس للحصة الثانية وإلحاحهم على حارس الباب بالدخول فاجأهم برد غريب على أن طردهم كان نتيجة محاولات غش سجلت ضدهم حتى أصبحوا من المنبوذين.

ولم يقف الحال عند هذا الحد فقد ظلت تنسب إليهم اتهامات لا علم لهم بها ، تهمة وراء تهمة حتى اكتفوا بالاستسلام بعدما غمرهم الهزال ، سجلوا عريضة بأسماء كل من لقوا أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه وزادهم الاعلام توثيقا لمشكلتهم التي هي في الاصل ليس لها مرجع وما كانت هذه الأخطاء لترتكب من طرف أطر مركز الامتحان ، لكن الكورونا لن تودع مجتمعا ناميا من دول العالم الثالث حتى تعري عن كل الاختلالات التي يرتكبها.

المنطق في الفيزياء يقتصر على وجود شيء ملموس تجرى عليه الأبحاث ثم يناقش فيه ، أما الرياضيات فلها رأي آخر وتأكد أن بإمكان الوصول إلى نفس النتيجة رغم اختلاف الطريقة ، وعلى القاعدة الثانية اعتمدت الوزارة الوصية في مسألة الدراسة بالتناوب في حالة ما إذا استمرت الطوارئ ولم تأبه بمجهود أطرها الذي سيبدل بجرعة زائدة عن اللزوم في ظل غياب كل المكافآت السنوية وستصبح ساعات الراحة هي نفسها ساعات العمل تحت وطأة التعليم عن بعد.

دق الجرس الأخير كإعلان لنهاية الاختبار الكلي لدورة هذه السنة ، تجمعت الأطر مع بعضها لمناقشات لن تجدي بنفع بينهم حول ما إذا كان توقيع محضر المغادرة حضوريا أم إليكترونيا ومتمنياتهم تصب نحو كل ما هو رقمي لإراحة أنفسهم من عبئ التنقل راجين أن تظل الدراسة الرقمية مستمرة بعد أن عشش الكسل على رقابهم وآخرون يعارضون ذلك كون معاشهم لا يقتصر على راتبهم الشهري وإنما في الدروس الليلية والساعات الإضافية حتى إن أوراق التصحيح مكروهة لدى الفئة الأولى أما الفئة الثانية فهي تعتبرها الإكرامية السخية في نهاية الموسم الدراسي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.