عبد النبي الشراط يكتب : التشيع العلوي والتشيع الصفوي.. أية علاقة ؟ ! (1)

0

عبد النبي الشراط – ريحانة برس
“هذا المقال ليس تاريخي بالمعنى الدقيق للتأريخ، وإنما يسلط الضوء على مرحلة هامة من مراحل تطور الفكر الشيعي”
أولا/ التشيع العلوي:
نقصد بالتشيع العلوي، أن فئة من الناس منذ عهد النبي والصحابة وإلى يومنا هذا يتبعون الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ويسترشدون بأقواله ويقتدون بأفعاله وأعماله، ويسيرون على نهجه الذي يعتبر نهج النبوة الأصيل بلا منازع، ويقتضي الأمر هنا القول بأن عليا عليه السلام هو أقرب الناس للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فهو ابن عمه، وصهره، ووالد حفيديه سيدا شباب أهل الجنة، الحسن والحسين عليهما السلام، وعلي هو أول طفل إعتنق الدين المحمدي، ولم يسجد قط للأصنام، خلافا لبقية الصحابة الآخرين الذين عاشوا الجاهلية بكل طقوسها وعبدوا الأوثان كغيرهم من قريش، ولذلك حتى أهل السنة يخصونه بعبارة: ( كرم الله وجهه) دون بقية الصحابة الآخرين.
علي بن أبي طالب عاش في كنف الرسول الأعظم، وآمن برسالته وهو في سن الطفولة، وحين أعطى الله سبحانه الضوء الأخضر للمؤمنين بالقتال من أجل الدفاع عن أنفسهم ودينهم، (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين)ـ التوبة 36 ــ كان علي في مقدمة كل المؤمنين يذود عن النبي والدين الجديد بسيفه وقوته وشجاعته المتفردة، وكان يخصه النبي بحب خاص، حتى أن ابنته فاطمة الزهراء عليها السلام ـ بضعة الرسول ــ وــ أم أبيها ــ كان تقدم لخطبتها أبو بكر، وتقدم بعده عمر، لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يشأ تزويجها إلا لعلي وقيل أنهما تزوجا بأمر الله.
إذن فعلي بن أبي طالب هو أقرب المقربين للرسول الأكرم نسبا (إبن عمه) وصهرا ( زوج ابنته) وأب حفيديه الأكرمين، لكن هذا الكلام لا ينقص من قدر الصحابة الآخرين ولكن لكل عمله ولكل منزلته ومرتبته، وبما أن عليا كان يحظى بهذا القرب كله من إبن عمه النبي محمد، فإن الكثير من الصحابة إلتفوا حوله في زمن النبي إعتبارا لما سبق، وكذلك بكونه عالما متمكنا وفقيها ورعا زاهدا ومعلما رائدا، ولذلك يمكن القول أن التشيع لعلي بدأ في عهد الرسول واستمر هذا التشيع بعد وفاة الرسول، وما زال عليا يحظى بحب الملايين لحد الآن، سنة وشيعة.
كلمة التشيع لها جذرها في القرآن الكريم، بالتالي لا يمكن أن أن تخيف الناس الآن، والتشيع متجذرا حتى في لغة العرب قبل الإسلام وفي عهد الأنبياء السابقين، ففي قصة موسى عليه السلام قال تعالى: (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه..) ــ القصص 15 ــ وفي قصة سيدنا إبراهيم نقرأ قول الله تعالى: ( وإن من شيعته لإبراهيم..)ــ الصافات 83 ــ
كلمة تشيع تعني النصرة والموالاة والإتباع،ــ شايعت فلانا، أي ناصرته واتبعته ــ وفي جانب آخر، تعني الفِرق والجماعات، قال تعالى: ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا…)ــ الأنعام 159 ــ أي جماعات وأحزاب وفرق إلخ.. بمعنى آخر، كل فرقة تشيعت – أي ناصرت ــ قومها أو فكرها أو عقيدتها، لأن الكلمة الواحدة في العربية لها مدلولات متعددة ومعان مختلفة، حسب السياق.
التشيع بعد النبي:
بموت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانتقاله للرفيق الأعلى بدأت مرحلة جديدة تختلف عن المرحلة التي كان فيها النبي يعيش بين قومه، ويمكن التأريخ لهذه المرحلة الجديدة من الدعوة المحمدية، ابتداء من مؤتمر السقيفة، أو لنسميها (مؤامرة السقيفة) سقيفة بني ساعدة، وهي المنطقة التي نظم فيها المؤتمر الانقلابي على الرسالة المحمدية،حيث اجتمع هناك بعض الصحابة من المهاجرين والأنصار ليقرروا مصير الرسالة بعد رحيل نبيهم.. وفيما اجتمع البعض تغيب البعض الآخر، وفي مقدمتهم الإمام علي وزوجه فاطمة الزهراء بنت النبي وعدد من الصحابة أنصار وشيعة علي، لأنهم كانوا منشغلين بالحدث الجلل، فجسد النبي لم يوارى التراب بعد، بينما (الصحابة) الآخرين بزعامة أبو بكر وعمر، استعجلوا أمر الحكم،فدعوا لاجتماع طارئ لأنهم كانوا متأكدين أن علي لن يترك الجسد الشريف دون أن يوصله إلى مثواه الأخير، ولقد اجتمع هؤلاء في ظل هذه الظروف الحزينة والصعبة جدا ليقرروا في غياب فئة عريضة من الصحابة الآخرين، ولذلك لم يكن هناك انتخاب طبقا لمبدأ الشورى الذي أقره القرآن الكريم، فلا شورى ولا ديموقراطية بمفهوم العصر الحالي، لأن القرارات اتخذت فيها من قبل فريق في غيبة فريق آخر، وهذه هي الحقيقة التي يجب أن يعترف بها المسلمون سنة وشيعة وبلا حرج. ما دامت الواقعة مثبتة في كتب التاريخ والسيرة وغيرها،إذ لا أحد من الفريقين، سنة وشيعة يستطيع القول أن علي بن أبي طالب وشيعته من بقية الصحابة حضروا انقلاب السقيفة، لأنه لو حضر علي وشيعته وتمت إنتخابات نزيهة ـ بلغة العصر ــ فإن الأمور كانت ستأخذ منحى آخر، وكان (صحابة) السقيفة يعلمون ذلك بكل تأكيد.ولذلك إستعجلوا أمرهم وتم تعيين أبوبكر خليفة للرسول دون أن يأخذوا برأي علي وشيعته، بدليل آخر، وهو أن علي بالرغم من قبوله بالأمر الواقع لم يبايع أحدا من الخلفاء الثلاثة وكان يكتفي بتقديم المشورة لهم حين يطلبونها منه.
علي بن أبي طالب، الذي كان يمقت الدنيا وزينتها، وهو الفقيه العالم الورع، وباب مدينة العلم، طبقا لوصف الرسول له، لم يطلب من شيعته أن يتظاهروا ويطالبوا بحقه وحقهم في الخلافة وإدانة مؤتمر السقيفة، بل فضل لزوم بيته ووضع علمه رهن إشارة المنقلبين، هذا هو علي فكيف كان غيره؟
التشيع بعد عثمان:
بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان بدأت مرحلة أخرى من مراحل الصراع على الخلافة، فبعد مبايعة الإمام علي بالخلافة مباشرة، إنطلقت ردة أخرى من الشام بزعامة معاوية بن أبي سفيان، وبعد موقعة الجمل إنهار كل شيء لتنته القصة بمقتل علي واستشهاده بمسجد الكوفة الكبير بالعراق،وليس مجالنا الآن هو التطرق للأحداث التاريخية وما جرته على الأمة من ويلات ونكبات ومآسي، قد نرجع إليها في مناسبة أخرى.
هكذا بدأ التشيع العلوي، وما زال يسري في قلوب الملايين من أتباع علي، لكن.. ما هو التشيع الصفوي؟
إلى الحلقة القادمة بحول الله.
27/6/2020

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.